![]() | ![]() |
| المنتدى العام خاص بالمواضيع العامة التي لا تندرج تحت عنوان محدد |
| |||||||
![]() |
| LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | #1 | ||
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | يتعامل اللبنانيون مع مأساة لبنانية مزمنة اسمها هجرة اللبنانيين إلى الخارج، تعاملاً رومانسياً أحياناً فانطلاقاً من أسطورة فينيقية تقول بأن قدموس أمير صيدون لحق بأخته أُوروب (التي وهبت أوروبا اسمها) التي خطفها «زوش» كبير الآلهة عند اليونانيين القدماء، يرى غلاة اللبنانيين أن الحضارة في العالم القديم بدأت منذ ذلك الوقت، وأنهم روادها، فخلال سيره، كان قدموس يبني المدن وينشر الحضارة. ولم يظهر أي تقصير في شقيقته أوروب. فعندما تُعطي أميرة من لبنان اسمها للقارة القديمة، فهذا يعني أنها أعطتها أيضاً لقاح الرقي والتمدن. فلدى اللبنانيين اذن صيدلية جاهزة على الدوام موهوبة لخدمة البشر، وفي جيناتهم جذوة لا تنطفئ لجعل العالم أكثر تقدماً. وفي ديوان «قدموس» الذي يمثل مثل هذه النظرة الرومانسية، يقول الشاعر سعيد عقل، الفينيقي الهوى: «ونبني، أنّى نشأ، لبناناً»، في إشارة منه إلى أن الأصل هو اللبناني لا الجغرافيا، فاللبناني يستطيع أن يبني لبنان أنّى شاء، سواء في لبنان، أو خارجه، فليس لزاماً، بالاستناد إلى هذا الشطر من البيت، أو بالاستناد إلى هذه النظرة، أن يكون لبنان حيث هو الآن، في موقعه الحالي على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. فقط يكون في موقع آخر. المهم أن اللبنانيين قادرون على أن يبنوه في أماكن أخرى والمسألة عائدة إلى مشيئتهم دون سواها. وباسم هذه اللبنانية المفرطة في الثقة بالنفس، يقول وديع الصافي في أغنية شعبية شهيرة: «ها الكمّ أرزة العاجقين الكون».. في إشارة منه إلى إشعاع اللبنانيين في العالم. صحيح أن أرز لبنان عدده قليل، ولكن فعله كبير. أرز لبنان قليل، ولكن أثره يعم العالم، اذهب إلى أي مكان تحت الشمس تجد لبنانيين، وتجد لبنانيين مرموقين، ودمغة لبنانية، لا تخفى، فاللبنانية إذن وميض لا ينطفئ، وفعل ماض ومضارع، وأولئك أبنائي فجئني بمثلهم.. ويسمي اللبنانيون مهاجرهم في القارات التي نزحوا إليها، ومنها أميركا الشمالية والجنوبية وافريقيا واستراليا، ببلدان الانتشار. ويضيفون أحياناً عبارة «اللبناني» إلى الانتشار، فيقولون: «بلدان الانتشار اللبناني»، فهذه البلدان هي بنظرهم مجرد مناطق يمارس فيها اللبنانيون مواهبهم وكفاءاتهم، صحيح أنهم يمارسون فيها التجارة، وما إلى ذلك، ولكنهم يمارسون فيها مهنة التمدين ونشر الحضارة، مهنتهم القديمة. ولكن هناك من اللبنانيين من يعترض على هذه التسمية ويقترح استخدام عبارة «استعمار» بدل عبارة «انتشار». وعلى ذلك تكون هذه البلدان نوعاً من مستعمرات للعقل اللبناني، سواء بالمعنى المتداول لكلمة «استعمار»، أو بالمعنى الراقي لها. فكما أن اللبناني يُخضع هذه البلدان لمصالحه التجارية من نوع ما حصل ويحصل في افريقيا الغربية، فإنه ينشر في هذه البلدان الحداثة والمعاصرة، من نوع ما فعل في أميركا اللاتينية. فهو هناك في مجالس التشريع وفي سدة الحكم والسلطة، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث، فهو مستعمر (بكسر الميم) إذن بالمعنيين اللذين أشرنا إليهما. ويذكر بعض اللبنانيين أرقاماً مذهلة لعدد اللبنانيين المغتربين. فقد قال لي مرة الشاعر سعيد عقل: إن عدد اللبنانيين المغتربين هو 25 مليون نسمة، في حين أن شارل مالك كان يقول قبل ربع قرن إن عددهم يوازي عدد سكان لبنان المقيمين، أي حوالي خمسة ملايين. وهناك من يضع الرقم الحقيقي لهؤلاء المغتربين بين الرقمين آنفي الذكر، فيقول إنه لا يمكن أن يقل عن عشرة ملايين أو خمسة عشر مليوناً. ذلك أن الاغتراب بدأ مبكراً في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ثم توالى بقوة على مدار القرن العشرين، وبخاصة في فترات الجفاف الاقتصادي والأزمات والثورات والحروب. ولا يشك أحد في أن هناك حوالي مليون وربع مليون لبناني تركوا لبنان خلال الحرب التي اندلعت فيه عام 1975م ووضعت أوزارها في عام 1990م. وبعد الحرب أيضاً ترك عشرات الآلاف لبنان أيضاً، فالجميع تقريباً قضوا في حال سبيلهم لا يلوون على شيء، ولا يعتقدون، أنه أمكنهم الإفلات من «بلد الإشعاع»، إذ ليس بالزجل وبالغناء وبالرومانسية وحدها يحيا الإنسان! ثمة إذن جانب غير رومانسي في ظاهرة الاغتراب اللبناني لا يتردد كثيرون في وصفه بالجانب المأساوي. فصحيح أن اللبنانيين في الخارج، بعصاميتهم وريادتهم وإنجازاتهم، قد حققوا الكثير إلا أن الهجرة بحد ذاتها، مأساة وتبلغ هذه المأساة ذروتها عندما تتحول إلى «ظاهرة» وهجرة اللبنانيين إلى الخارج هي من هذا النوع بالذات. فالأم تلد أبناءها وتربيهم لتجدهم بعد حين لا قربها أو في الوطن الذي عاشت وعاشوا فيه، بل في أوطان الآخرين. أما السبب فيكمن، بالدرجة الأولى، لا في بناء المدن ونشر الحضارة كما يقول سعيد عقل في «قدموس»، بل في شحّ الوظائف والعمل في البلد. فالدولة اللبنانية، منذ نشأت، تتصرف وفق خطط وبرامج من شأنها معالجة هذا الجرح النازف، بل تصرفت وفق لا خطط ولا برامج لهذه الجهة. وكان من نتائج سياسات الإهمال والارتجال والتقصير التي مارستها الحكومات اللبنانية على امتداد حقب طويلة، تحوّل الهجرة من مشكلة إلى حلم. فاللبناني يجد في الهجرة حلماً، أو حلاً، عجز الوطن عن تأمين وظيفة أو عمل أو عيش كريم له، فتركه إلى الخارج. نبا به الوطن، فرحل. تماماً كما قال، أو نصح، الشاعر العربي القديم: وإن نَبَتْ بك أوطان خُلقت بها فارحلْ! فكل بلاد الأرض أوطانُ! وهكذا وجد إلى جانب من يروي حكاية الهجرة اللبنانية إلى الخارج رواية رومانسية، رواة آخرون، يروون هذه الحكاية بدموع مرة وحديث يوجع القلوب. ويمكننا أن نتصور استناداً إلى هذه الرواية الأخيرة، مدى الهموم التي اجتاحت قلوب الراحلين وقلوب المقيمين في آن. فكم من أم لبنانية قضت حياتها تنظر إلى البحر الذي انتزع منها فلذة أو فلذات أكبادها على أمل أن يعودوا، فقضت بعد ذلك دون أن تحتضنهم قبل أن ترحل عن هذه الفانية. والدموع ليست في ضفة دون أخرى، فالضفاف كلها دموع، والأنين في الخارج لا يضارعه إلا الأنين في الداخل. والذين أنشأوا لهم أعمالاً في مغترباتهم، من المستحيل أن يتركوها ليعودوا إلى البلد الذي لا يؤمن لهم لا القوت ولا الطمأنينة. وأقصى ما يستطيع هؤلاء المغتربون فعله هو أن يخطفوا أرجلهم إلى لبنان لرؤية ذويهم بين الوقت والآخر، ولأيام لا أكثر، يعودون بعدها إلى أعمالهم وإلى دموعهم في آن.. لذلك تؤلف هجرة اللبنانين الدائمة إلى الخارج مشكلة أكثر مما تؤلف أغنية أو نظرة رومانسية تتحدث عن «رسالة» أو «دور» إشعاعي. فهي جرح كما هي أزمة لبنانية ينبغي أن تعالجها النخب اللبنانية، من مسؤولين وغير مسؤولين، من أجل وضع حدّ لها في النهاية. ولا يتيسر ذلك بالطبع إلا بالبحث عن أسبابها والقضاء على هذه الأسباب. وكل ذلك يستوجب اللجوء إلى سياسات اقتصادية بعيدة المدى، وإلا كان لبنان نوعاً من خزان بشري دائم الفيض على الخارج، من نوع ما كانته الجزيرة العربية في الماضي. مع فرق أن خزّان الجزيرة العربية في الماضي كان يفيض على جيرانها سواء في المشرق العربي (بلاد الشام والعراق)، أو في المغرب العربي (الهجرة إلى مصر والشمال الافريقي والأندلس: هجرات بني سليم وبني هلال وسواهما)، في حين أن هجرة اللبنانيين إلى الخارج هي في الأعم الأغلب إلى بلدان بعيدة جداً عن لبنان، ويصعب اعتبارها بلدان هجرة مؤقتة لأن المهاجرين اللبنانيين سرعان ما يذوبوا فيها حتى منذ الجيل الأول.. على أن لبنان ليس وحده مع الأسف في مثل هذه الهجرة. فهجرة السوريين والعراقيين والفلسطينيين ليست بأقل وأفدح من هجرة اللبنانيين. والأسباب تقريباً واحدة والنتائج كارثية ويندرج أكثرها في باب «نزيف الأدمغة» الذي يحرم البلاد العربية طاقات وكفاءات كثيرة تستفيد منها البلدان التي هاجر إليها هؤلاء. وعلينا أن نصدّق تلك الأرقام المذهلة التي تحزّ في النفس عن عدد الأطباء اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين في هذه المدينة الأوروبية أو الأمريكية وحدها، في حين كان ينبغي أن تنتفع بلداننا من خبرة هؤلاء الأطباء والعلماء، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله! | ||
| | |
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |
- RSS 2.0 - XML - HTML - MAP - SITE MAP