![]() | ![]() |
| الكتب الالكترونية كل انواع الكتب الالكتروينة توضع هنا |
| | #1 | ||
| مشرف عضو ماسي ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | بسم الله الرحمـــــن الرحيــم روايــــة البحث عن إمراه مفقودة نبذه عن المؤلف د. عماد زكي الاسم: د. محمد عماد زكي الواوي مكان وتاريخ الولادة: دمشق 1957 المهنة: رئيس تحرير مجلة طبيب العائلة مجالات الابداع: أدب الأطفال المؤهل العلمي: بكالوريوس طب الأسنان، جامعة دمشق الجوائز: الجائزة الأولى في مسابقة الابداع بين الشباب العربي في مجال الدراسات المستقبلية ـ القاهرة، سنة 1989 المؤلفات المطبوعة: 01 دموع على سفوح المجد / رواية 02 البحث عن امرأة مفقودة / رواية 3 ـ رحلات السندباد الصغير في الأردن وفلسطين 32 جزء 4- قصة السلحفاة 5- مسرحية الأميرة والببغاء 6- مسرحية حكايات جحا العربي. الفصل الأول عندما رأيتها خفق قلبي بعنف ، وانبعثت الحياة في روحي دفعة واحدة ، وكأني طفل يولد الآن .. إنها هي!.. إنها أحلام!.. روحها التي تشعشع حولها أيقظت روحي ، وصوت خطواتها الواثقة التي تطرق الرصيف في وقار تنساب إلى سمعي كالإيقاع .. لقد عادت أحلام.. عادت إلى المدينة التي هجرتها ، عادت إلى الناي الذين آمنوا بها ، وأحبوها .. كما يعود الصبح بعد ليل حالك.. كما تشرق الشمس يعد خريف طويل.. وانبثق الأمل في أعماقي كمارد خرج لتوه من قمقه الضيق ليعدني ببقية سعيدة لهذا العمر البائس الذي قضيته وأنا أعدو خلف أحلام.. وتحركت في القلب أشواق ظمأى ، وجعلت ترفرف بأجنحة رشيقة من الفرح حتى كادت تحملني إلى فضاء بهيج.. وانطلقت خلف أحلام بخطوات لهفى ، وأرسلت نحوها النداء تلو النداء.. _ أحلام .. توقفي يا أحلام.. لم تقف! لم تنتبه!.. صوتي المبحوح لم يبلغ أذنيها ، ومضت بخطواتها الواثقة وجلالها القديم ، وتابعت طريقها دون أن تلتفت!.. كررت النداء غير عابئ بالعيون التي حاصرتني متسائلة أو مستنكرة ، ودفعت خطواتي خلف النداء لتلحق بها .. أردت أن أمسك بها قبل أن تضيع مني كما ضاعت أول مرة ، قبل أن تنسل كالشعاع ، ناديتها بحرقة الملهوف ولوعة المشتاق ، لكن ندائي أخفق مرة أخرى في إيقافها.. لا أصدق أنها لا تسمعني وخطواتها تطرق سمعي كصوت المطر عندما يدق أبواب الأرض؟!.. تمهلت قليلا .. هل تتجاهلني ؟ أم أنها وارتني حلف جدران النسيان!.. ولسعني خاطر كالعقرب .. لعلها تزوجت!. لعل قلبها قد اتصل بقلب رجل آخر ، فألغت كل إحساس بالغيرة!!.. وألهبت خطواتي بسياط الذعر والقلق بجنون ، فاندفعت خلفها أصدم هذا وأتجنب تلك.. -أحلام.. توقفي يا أحلام.. أنا صلاح. تجاهلتني!.. أو أنها لم تسمعني!.. لعلها ساهمة ذاهلة عما حولها ، تنبش الذكريات القديمة ، وتبحث فيها عن قصص عاشتها في هذه المدينة ، وأطياف عايشتها عبر رحلة الحب والعذاب التي أرهقت قلبها المرهف الرقيق أو أنها تستخرج حبها الخالص من تحت أنقاض الماضي ، لتنفض عنه غبار السنين ، وتقدمه لي طاهرا متوهجا عميقا كما كان.. وحثثت الخطا خلفها حتى أدركها ، ناديتها بنبرة تقطر لهفة وشوقا.. التفتت إليَّ كالتي بوغتت ، ورمقتني بنظرات يعيث فيها التساؤل والإنكار!.. شعرت فجأة وكأني أهوي من شاهق إلى بلا قرار ، والنقبض قلبي فسحق بين جدران كل ما انبثق فيه من آمال ، واستحالت الفرحة الوشيكة دموعا تزدحم في عينين زائعتين!.. إنها ليست هي ، إنها ليست أحلام!! رفعت الفتاة التي كنت أسعى خلفها حاجبيها دهشة وحيرة ، وتحولت نظراتها من الإنكار إلى الرثاء ، وهي ترى لهفتي تتحول إلى كآبة عميقة ، همست في إشفاق: - سيدي هل تشكو من شيء؟.. حاولت أن أعتذر ، أو أوضح لها سبب ما حصل ، لكن لساني المثقل بالخيبة خانني ، لكأنَّ الماجأة المرة قد أصابته بالشلل!.. وأدركت الفتاة أن في الأمر خطأ غير مقصود ، فهزت كتفيها بغير اكتراث ، ومضت في طريقها ، وتركتني ساهما غارقا في الحسرة والألم.. ووقفت جامدا كتمثال ، أرمق الفراغ بعينين ذاهلتين ، فجعل المارة يعجبون لوقوفي وجمودي ، ويتنحون عني كما يتنحون عن جسم مهمل ملقى على قارعة الطريق!.. واستيقظت من ذهلتي على صوت طفلة متسولة تشدني من يدي في إلحاح ، وهي تسألني أن أحسن له بشيء.. انتزعت نفسي من ثلاجة الذهول ، ودسست يدي في جيبي ، فأخرجت قطعة نقدية صغيرة ، وألقيتها في يد الطفلة فالتقطتها فرحة ، وانطلقت تعدو.. وركبني إحساس ثقيل بأني ضائع بلا غاية.. متشرد بلا مأوى.. تائه بلا جذور.. وهمت على وجهي في دروب المدينة ألوك خيبتي وحزني.. وفردت خواطري أشرعة الذكرى ، فأبحرت في خضم السنين لترسو على شاطئ بعيد .. ووجدتني أغوص في الماضي ، وكأني أقرأ سطوره في كتاب مفتوح أمامي.. الفصل الثاني .. كنا ثلاثة... أنا ، وهاني ، وأحلام.. وكان قدرنا أن نجتمع بعد التخرج في مستشفى ابن النفيس الذي كان يستقطب المتفوقين من الأطباء.. كنا يومها مندفعين متحمسين للمهنة التي أحببناها وآمنا بها ، وكنا نقبل على العمل بمتعة بالغة ، فنقوم بم يطلب منا ، وما لا يطلب ، ونُقْدم على أصعب الحالات ، لنصقل خبراتنا ، ونحقق ذواتنا ، ونثبت قدراتنا كأطباء متميزين.. وذات ليلة من ليالي الشتاء البارد ، كانت نوبتنا ـ نحن الثلاثة ـ في قسم الطوارئ ، وكان ليلة حافلة فلم نخلد إلى الراحة إلا في الساعة الخامسة صباحا ، فاتجهت أنا وهاني إلى غرفة الأطباء المقيمين ، وذهبت الدكتورة أحلام إلى غرفة الطبيبات المقيمات. كنت في حالة إرهاق شديد ، فمنيت نفسي النفس بساعة من النوم أتخفف خلالها من التعب والإجهاد ، لأسمح بعدها لهاني بقسط مماثل ، لكن هاني ـ كعادته ـ وضعني أمام الأمر الواقع ، وأسرع فألقى بنفسه فوق السرير ، وراح في نومه غير عابئ بمحاولاتي لإثنائه. وسمعت شخير هاني يتعالى ، فأدركت أنه لم يعد لي خيار ، وكان لابد أن أبقى مستيقظا ، استعداد لكل طارئ. وغالبني النوم بقوة ، فهربت من النعاس إلى القراءة ، فلم تنجدني ، فلذت بالماء البارد ، وغسلت وجهي. شعرت بشيء من النشاط ، لكن منظر هاني النائم بجواري ، كان يوهن عزيمتي ، ويحبط طل محاولاتي لمقاومة النعاس. "ليس أفضل من قهوة العم درويش". هكذا قلت في نفسي ، وأنا أفرك عينيَّ بشدة ، ثم حملت جهاو الإنذار الذي ينقل إلينا عادة نداءات الطوارئ ، ومضيت إلى العم درويش أنشد قهوته الساخنة اللذيذة. وصلت إلى بداية الممر الذي يقوم في نهايته مقصف المستشفى المتواضع ، فلمحت الدكتورة أحلام وهي تجلس شارة ساهمة ، وقد نزلت مثلي لتدفن أرقها عند العم درويش نادل المقصف.. وارتحت لوجود أحلام ، لكني قررت بيني وبين نفسي ، ألا أترك ارتياحي يتمادى في الظهور ، لأكثر من سبب!.. ألقيت عليها تحية الصباح ، وقلت لها وأنا أرقب خيوط الفجر وهي تسلل من نافذة قريبة: - لم أتوقع أن أجدك هنا ، لو كنت مكانك لخلدت إلى النوم بعد ليلة متعبة. تساءلت في مرح: - لماذا لم تنم إذا كنت متعبا إلى هذا الحد؟! - أنام؟ وهل يترك هاني دورا لأحد؟ ابتسمت وقالت: - علاقتك بهاني تثير دهشتي وإعجابي في آن واحد! - لم أفهم! - أنت وهاني نقيضان في الشخصية ، مختلفان تماما في الأفكار والطباع! قلت لها منكرا: - لا. لا. ليس إلى هذا الحد ، أنت تبالغين بعض الشيء. علقت تدافع عن وجهة نظرها.. - قد أكون مبالغة ، لكنكما تبدوان لي هكذا.. - ومع هذا نثير إعجابك!.. - ما يثير إعجابي هو علاقة الود والصداقة التي تجمعكما ، فألمحها في أحاديثكما معا ، وفي دعابتكما الطريفة التي أستمتع بمتابعتها.. - نحن نجمان مضحكان إذن!!. ضحكت وهي تشيح بيدها معتذرة ، ثم قالت: - عفوا لم أقصد ، إنما أردت أن أقول إن علاقتكما من العلاقات اللطيفة التي أحبذها بين الأصدقاء.. قلت وأنا أقاوم التثاؤب الذي داهمني فجأة: - أنا وهاني صديقان قديمان ، قضينا المرحلة الثانوية في مقعد واحد، ودخلنا كلية الطب معا ، وها نحن نعمل هنا معا ، جمعت بيننا الآمال والذكريات اللطيفة ، فتوطدت بيننا صحبة حميمة ، نحن مختلفان نعم لكن الود بيننا استطاع أن يطفو فوق كل خلاف.. وداهمني التثاؤب.. - لقد شغلنا الحديث ، ونسيت أن أطلب شيئا يساعدني على مقاومة النعاس. والتفت إلى العم درويش: -أبن قهوتك يا عم درويش؟ أدركني بفنجان من قهوتك السحرية اللذيذة.. أفاق العم درويش من كبوة قد ألمت به ، وهتف وهو ينهض في نشاط: - تكرم عينك يا دكتور ، سوف أصنع لك فنجانا لن تنسى طعمه أبد الدهر. ثم تابع بلهجته المرحة الغنية بالطيبة: - قهوة عمك درويش ماركة عالمية لا تضاهى.. قالت أحلام وهي ترنو إلى العم درويش في ود: - العم درويش فخور بقهوته! وأردفت: - هذا الرجل ، كم هو طيب ولطيف! كانت أحلام تحب العم درويش كثيرا ، لم تكن وحدها تحبه ، كلنا كنا نحبه ونرتاح إليه.. حتى الدكتور مأمون صاحب المستشفى وجراح القلب المشهور ، كان كثيرا ما يهرب من أعبائه إلى مقصف العم درويش ، ليجلس معه ، يبثه همومه ومشاكله ، ويستمتع بأحاديثه اللطيفة التي تنساب إلى النفس في رفق ، وتمسح آلامها كالبلسم. في شخصيته جانب مريح لطالما اختلفنا في تفسيره!.. البعض كاك يقول: بساطته ، آخرون كانوا يقولون: طيبته.. أحلام كانت تقول بأنه إنسان عاطفي يملك حسا مرهفا يستطيع من خلال تعابير وجهك ، ونظرات عينيك!.. هاني كان يقول مازحا: بأنه رجل يملك الحاسة العاشرة ويقصد الحاسة السادسة طبعا. أما أنا فأعتقد أن الجانب المريح في شخصية العم درويش ، جانب مركب.. إنه مزيج من الطيبة والبساطة والصراحة الظرافة.. مزيج لطيف قد أضيف إليه ذكاء فطري حاد ، صقلته السنون ، وزادته تجاربها قدرة على فهم الناس والتقاط إحساساتهم الخفية ، ثمة شيء آخر كان يجعل العم درويش أشد إحساسا بالآخرين ، إنه المعاناة ، فالعم درويش يعاني من عدم الإنجاب ، تؤرقه الأبوة الجائعة إلى الأطفال ، كانوا يقولون: إن امرأته هي السبب ، وهكذا كانوا يقولون دائما عندما كان العقم يضرب أسرة ما!.. قالت أحلام فجأة بصوت كالهمس: - ما رأيك بالعم درويش؟ - إنسان طيب. - لو أنه أنجب ، لشعر أبناؤه بدفء وحنان لم يبذله أب لأبنائه! - الحرمان يبعث في النفس رقة فريده. صمتت مليا ثم قالت: - هل أبوح لم بشيء؟ - تفضلي... ترددت قليلا ، ثم قالت: - أحيانا أتمنى لو كان العم درويش أبي!.. أدهشتني كلماتها ، وحرت في تفسيرها ، ووجدتني أسألها لأول مرة: - أليس الوالد على..... - بلى .. إنه حي يرزق.. - عذرا .. كلامك أوحى لي بالسؤال!.. ابتسمت في سخرية وقالت: - لا يكفي للأب أن يكون أبا ، أن يكون على قيد الحياة!. كلامها غامض وحزين ، أحسست أنها تمر بأزمة!. - تبدين متعبة!. - أبدا. - بإمكانكِ أن تنامي إذا أردتِ. - هل يضايقك وجودي؟ لسعني سؤالها ، أجبت كمن يدافع عن نفسه: - أبدا.. أبدا.. كل ما في الأمر أني أريد راحتك. - ليت النوم يريح ، لنمت ليل نهار. - لستِ سعيدة فيما أرى!. - أنت على حق. - غريب!!. - فيم الغرابة؟ - مبلغ علمي أنك تملكين أسباب السعادة. - تقصد المال والثروة؟ - مثلا. صمتت وأطرقت ، وزحفت الكآبة إلى عينيها. قالت في مرارة: - عندما لا يملك الإنسان مالا ، يظن أن السعادة تكمن في المال والقصر والسيارة.. لكنه عندما يمتلك كل هذه الوسائل لا يجد السعادة فيها ، يشعر بالخيبة .. يشعر بالغربة .. يفقد ثقته بالحياة ، ولهذا ينتحر بعض الناس... حديثها عن الانتحار لم يرحني! ساورني القلق .. لأول مرة أراها بهذه الكآبة ، وهذا الحزن!.. وأردت أن أخفف عنها ، لكني لم أعرف ماذا أقول؟!!.. وأقبل العم درويش بقهوته الشهية وهو يختال ، وما كاد يضعها أمامي حتى أطلق جهاز الإنذار إشارات متقطعة تدعونا للالتحاق بعيادات الطوارئ فهرعنا نلبي ، وكل غارق في أفكاره وأسراره!.. | ||
| | |
| | #2 | ||
| مشرف عضو ماسي ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الفصل الثالث عندما وصلنا إلى قسم الطوارئ ، صدم أسماعنا صوت بكاء شديد لطفل ، وتعلقت نظراتنا بشرطي يحتضن طفلا ملفوفا بغطاء صوفي فد اتسخت بعض جوانبه بالطين!.. تبادلت مع الدكتورة أحلام نظرة ، ثم بادرت الشرطي بالسؤال: ـ خيرا. تقدم الشرطي خطوات وقال: ـ لقد وجدنا هذه الطفلة ملقاة في حديقة مسجد الإخلاص ، وجدها أحد المصلين وهو خارج من صلاة الفجر ، وأحضرها إلى قسم الشرطة ، وقد أرسلت بها لتفحصوها وتعدوا تقريرا عن حالتها الصحية ، ثم تحولوها على ملجأ الحنان للأيتام.. صدمني منظر الطفلة اللقيطة ، وثقب صوت بكائها الشديد فؤادي ، فشعرت بالحزن يتسرب إلى أقصى أعماقي ، أما أحلام ، فقد طغى عليها التأثر والانفعال ، فلم تملك دموعها التي انسابت في صمت.. تناولت أحلام الطفلة ، فضمتها إلى صدرها ، وراحت تهدهدها حتى تسكت وتهدأ ، ثم أمرت إحدى الممرضات بتنظيفها ، وشرعت بإجراء الفحوصات اللازمة لها. ووقفت أرقب الطفلة اللقيطة في إشفاق.. كانت طفلة وديعة جميلة ، ورثت عن أبويها براعم جمال باهر بدت طلائعه في شعرها الذهبي ، وعينيها الزرقاوين ، ومحجريها الواسعين ، وبشرتها الناعمة البيضاء وقسماتها الدقيقة المنسقة.. ولفت نظري شيء مهم ، فسألت الدكتورة أحلام: ـ كم تقدرين وزن الطفلة؟ ـ إني أدرك ما تفكر به.. وزنها وملامحها يدلان على أن عمرها يبلغ بضعة أشهر. ـ هذا ما لاحظته فعلا ، إنها لم تولد للتو كما يبدو!.. ـ لقد تأخروا بوأد الفضيحة!.. قلت وأنا غارق في الشرود: ـ وراء هذه الطفلة سر غامض أتمنى لو أكتشفه!.. ـ العالم مليء بالأسرار.. ـ لو كنت حاكما يملك ناصية الأمور ، لأمرت بإعدام أبويها فورا.. تمتمت أحلام وهي تضع الطفلة في الميزان: ـ لم يعد الناس يفكرون إلا بجيوبهم وغرائزهم!.. وأحضرت إحدى الممرضات طعام الطفلة ، فجعلت أحلام تطعمها ، بينما كنت موغلا في التأمل ، أفكر في مستقبل طفلة فقدت جذورها ، لتنمو وحيدة وسط رياح الحياة العاتية ، عرضة للشقاء والضياع ، ولمعت في خاطري مقارنة طريفة بين أطفال ربتهم الوحوش في الغابة ، وبين بشر يتخلون عن أطفالهم بهذه السهولة والبشاعة التي تترفع عنها الوحوش.. وأثارني الحادث إلى حد الكآبه ، فغلى الغضب في عروقي ، وشعرت أمام ضميري بأني مطالب بشيء أقوم به من أجل هذه الطفلة البريئة.. مكلف بمهمة خاصة تخولني ملاحقة الجناة ، وبدأت أسعى وراء التفاصيل.. كان الشرطي الذي أحضر الطفلة ما زال ينتظر ، فتقدمت منه ، وسألته بعض الأسئلة ، فشرح لي كل الظروف التي أحاطت بالعثور على الطفلة اللقيطة ، وأضاف إليَّ معلومة مهمة زادت القصة إثارة!.. قال الشرطي : لقد وجدنا مع الطفلة مبلغا من المال ، وضعه الذين تخلوا عنها في كيس من القماش ، وعلقوه في رقبتها!.. مبلغ من المال؟!.. وهل تحركت في قلب الذين تخلوا عن الطفلة بقية من عاطفة أو ضمير ، فتركوا للطفلة ما يساعد من يعثر عليها على الاعتناء بها؟!.. أم أن وراء هذه الطفلة قصة أعمق من حادثة تقليدية لوليدة لقيطة تخلى عنها الجناة خوفا من الفضيحة؟!.. واقتحمت إحدى الممرضات أفكاري فجأة ، لتنبهني إلى حالة جديدة فد وردت إلى قسم الطوارئ ، وهي تشير إلى امرأة شابة تقف لدى الباب ، وتتلفت حولها وكأنها تبحث عن شيء!.. الفصل الرابع ـ تفضلي.. ـ يدي يا دكتور.. ـ ما بالها؟.. ـ مجروحة.. ـ أرني .. بسطت المرأة راحة كفها الأيسر أمامي ، فوجدتها قد أصيبت بجرح بسيط ، سألتها في حيرة: ـ هل جئت من أجل هذا الجرح؟!.. أجابت في تلعثم ، وعيناها تجوبان أرجاء المكان: ـ أجل ، لقد خشيت أن يؤثر النزيف على صحتي ، فأنا مريضة.. ـ مريضة؟!.. بماذا؟! ـ أقصد صحتي سيئة.. تأملتها جيدا ، كانت امرأة في العشرينات من العمر ، وصحتها الظاهرة جيدة ، بل إن جسمها يميل إلى الامتلاء ، فأي سوء في الصحة تقصد؟ وخطر لي أنها مريضة نفسية مصابة بالوهم والوسوسة ، وقد هرعت إلى المستشفى مذعورة ، عندما رأت بضع قطرات من الدم تسيل من يدها الجريحة ، وخطر استمرار النزيف ، فجاءت إلى المستشفى تنشد المساعدة.. سألتها وأنا أبلل قطعة من القطن المعقم بالكحول: ـ هل سبق أن أصبت بمرض دموي. ـ لا. ـ مرض نفسي؟ ـ أبدا. ـ يبدو أنك كثيرة الوهم!.. لم تكترث بملاحظتي ، تركت يدها في يدي لأعالج جرحها ، وراحت ترنو إلى الطفلة اللقيطة بنظرات لاح فيها الإشفاق ، لم أحفل بنظراتها ، فالذي يمارس مهنة الطب ، يستطيع أن يدرك معنى الفضول الذي يطل من عيون الناس عندما يزورون عيادات الطوارئ.. ولفتت نظري ملاحظة طريفة!.. سألتها وأنا أتأمل الجرح الذي يمتد عبر راحة كفها الأيسر: ـ بأي شيء جرحت يدك. كانت ذاهلة عني غارقة في الشرود ، ونظراتها مازالت معلقة بالطفلة.. أعدت عليها السؤال فانتبهت وأجابت في ارتباك واضح: ـ آه ، جرحتها ... جرحتها بسكين.. تعجبت لهذه السكين الكليلة التي يمكن أن تحدث مثل هذا الجرح ، فالمعروف أن الأدوات الحادة مثل الشفرات والسكاكين تحدث جرحا مستقيما منتظم الحواف ، أما جرح يدها فكان مشرشرا ، وكأنه قد أحدث بأداة كليلة ، كرأس مسمار أو... سألتها ثانية وقد استولى عليَّ الفضول: ـ ماذا كنت تعملين في هذا الوقت المبكر. أجابت بلهجة أكثر تماسكا: ـ كنت أعمل في المطبخ.. ـ في المطبخ؟!.. ـ أجل. ـ هل أنت عاملة في فندق؟.. ـ بل ربة منزل. تساءلت في سري عن السبب الذي يدعوها للعمل في المطبخ بعيد الفجر بقليل!.. خمنت أنها زوجة عامل من الذين ينطلقون إلى أعمالهم مبكرين.. في الحقيقة لولا مظهرها القلق ، لما تماديت في الأسئلة ، ذلك القلق أثار فضولي ، ليس القلق وحده ، كانت حزينة أيضا.. وفاجأتني بسؤال أثار انتباهي ، قالت:بينما كنت أحكم ربط الضماد حول يدهشة: ـ ما هو مرض تلك الطفة؟.. تساءلت في دهشة: ـ طفلة؟! ما أدراك أنها طفلة!.. بوغتت بالسؤال ، ابتسمت وقالت: ـ مجرد تعبير عفوي ، هل هي طفلة حقا؟!.. ـ هي طفلة فهلا ، لكن ما الذي دفعك للاعتقاد بأنها طفلة؟!.. ـ قلت لك لم أقصد ، كل ما في الأمر أن النساء عادة يميلون لتأنيث الأشياء ، مثلما يميل الرجال لتذكيرها.. ـ هل أنت جامعية؟.. كنت طالبة في كلية الآداب ، لكني لم أتم تعليمي.. قلت لها بعد أن انتهيت من تضميد جرحها: ـ سأكتب لك بعض المضادات الحيوية لوقاية الجرح من الالتهاب. قالت وكأنها تريد أن تتخلص مني: ـ لا. لا داعي ، أنا بخير الآن.. نظرت إليها في دهشة.. ـ لا داعي!.. وانتبهت لنفسها: ـ اكتب ما تراه مناسبا. وانتظرتني ريثما كتبت الوصفة ، ثم تناولتها ، ومضت مسرعة!.. الفصل الخامس انتهت الدكتورة أحلام من معالجة الطفلة ، وكتبت تقريرا مفصلا حول حالتها الصحية ، أبلغت الشرطي الذي حمَّلته التقرير ، بأن الطفلة بحاجة إلى بعض الرعاية قبل تحويلها إلى الملجأ.. كانت آثار الحزن والإرهاق بادية عليها ، جلست كالمنهكة ، وأطرقت في كآبة ، ثم راحت في تأمل عميق.. قلت لها: ـ بإمكانك أن ترتاحي إذا أردتِ.. همست بنبرة واهنة: ـ اذهب أنت ، سأبقى هنا حتى نهاية الدوام. ـ كيف حال الطفلة؟ ـ تشكو من بعض المغص ، البرد أثر فيها.. ـ الجاني ترك مع الطفلة مبلغا من المال!.. ـ كيف عرفت؟ ـ سألت الشرطي. ـ ابتسمت أحلام ابتسامة ساخرة ، ثم قالت: ـ ما زال بعض الأغبياء يظنون أن المال يمكن أن يكون بديلا للحنان.. قلت وأنا أمضي: ـ إذا احتجتِ لشيء ، فأنا فوق. كان النوم قد طار من أجفاني ، لكني شعرت بحاجة ماسة لأن أكون وحدي ، توجهت إلى غرفتي فوجدت هاني ما زال نائما ، ألقيت نفسي على السرير ، ورحت أفكر في هذه الطفلة المسكينة التي كانت والشقاء توأمين في رحم واحد.. وانتبهت لهاني وهو يتقلب على فراشه ، ثم ما لبث أن أفاق وقال وهو يفرك عينيه بظاهر سبابتيه: ـ نمت كثيرا؟.. ـ اسأل نفسك.. ـ هل من جديد؟ ـ طفلة لقيطة. سأل وقد توقفت أصابعه عن العبث بشعره: ـ ماذا؟.. ـ طفلة لقيطة وجدت عند الفجر ملقاة في حديقة جامع الإخلاص القريب من هنا.. قال وهو يعاود الاستلقاء: ـ يبدو أن أمها غير مدربة!.. ـ مدربة؟!.. ـ أقصد أنها لا تتقن فنون منع الحمل.. ـ ما الذي أودى بنا إلى هذا الانحدار؟.. ـ ما أدراني.. أنا لا أفكر في الأسباب مثلك ، أكتفي بالسماع.. خالي محام ، وأنا مغرم بحكاياته البوليسية.. قلت وقد غاظني البرود الذي استقبل به هاني الخبر: ـ هل يكفي أن تستمتع بما يحدث؟.. ـ ماذا نفعل؟ ـ هذا يحيرني! قال وهو ينفض عنه الغطاء: ـ يبدو عليك التعب ، خذ قسطا من النوم.. ـ لا أشعر بالنعاس.. ـ لماذا أنت مهموم هكذا؟.. ـ منظر الطفلة اللقيطة يعذبني.. ـ تبدو روما نسيا هذا الصباح!.. ـ أنت لم ترها يا هاني.. ـ ولا أريد أن أراها ، هذه الحوادث تبعث في نفسي القرف.. ـ ما يحيرني أن عمر الطفلة يبلغ بضعة شهور ، يزيد عن أربعة شهور.. ـ أربعة شهور؟! الحكاية فيها (إنَّ)!.. ـ أريد أن أعرف هذا (الإنَّ)؟.. قال هاني وهو يبتسم: ـ فضولك الجارف يدهشني ، دائما تريد أن تعرف كل شيء.. ـ وأنت؟.. ألا تريد أن تعرف؟!.. ـ أنا يا صديقي أحب المعلومات الجاهزة ، قصة في رواية ، تحقيق في صحيفة ، دراسة في مجلة ، أمي تقدم لي الفواكه دائما مقشرة ، والجامعة لم تكلفنا يوما بإجراء بحث أو دراسة ، دائما تطالبنا بحفظ المعلومات.. لا أدري من تسربت إليك لوثة البحث والتنقيب؟ ، لعلك من أحفاد الرازي أو ابن سينا!.. ضحكت رغما عني ، كلام هاني فيه ظرافة وعمق ، وسمعته يقول: ـ حاول أن تنسى يا صديقي ، فلا شيء في هذه الحياة يهم.. أجبته وأنا ساهم: ـ لا أصدق أنك تعني ما تقول!.. | ||
| | |
| | #3 | ||
| مشرف عضو ماسي ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الفصل السادس جاءت الساعة الثامنة صباحا ، وانتهى وقت نوبتنا ، فارتديت ملابسي استعداد لمغادرة المستشفى بصحبة هاني. قال هاني مداعبا: ـ أما زالت سيارتك في التصليح؟ ـ لم تبرأ من أمراضها بعد.. ـ سأحملك معي لليوم الثاني على التوالي ، ليت معروفي ينفع معك.. ـ لا تمن عليَّ بالمساعدة ، سيارات الأجرة تملأ البلد.. مد هاني كفه كالمتسول ، وقال: ـ اعتبرني سائق أجرة يومين.. قلت ، دون أن أستجيب لدعابته: ـ انتظرني في السيارة ، سألحق بك بعد قليل.. ـ إلى أين ستذهب؟ ـ سأطمئن على الطفلة.. استوقفني هاني وقال في ضيق: ـ لن أنتظر.. ـ سأغيب دقائق فقط.. ـ مالك ولهذه الطفلة؟ ـ قلت لك لن أتأخر.. تأفف هاني وقال: أنت تضخم الأمور دائما ، آلاف الأطفال يقذفون في العراء كل يوم ، الملايين منهم يتضورون جوعا في أفريقية هذه الطفلة ليست أفضلهم!.. قلت محاولا إقناعه: ـ ليست أفضلهم طبعا ، لكنها واحدة منهم ، وعلى كل من يصادف هذه المخلوقات البريئة أن يقوم بواجبه نحوها ، ويهتم بها ، ليعوضها بعض العطف والرعاية التي حرمت منها.. قال هاني وهو يطامن من لهجته الحادة: ـ أنا يا عزيزي ليت ضد اهتمامك بالطفلة ، لكنك متعب الآن ، ويمكنك أن تراها فيما بعد.. قلت ، وأنا أسبقه بخطوات حاسمة: ـ قلت لك : لن أتأخر.. ثم توقفت والتفت إليه مستدركا: ـ تعال معي لو أردت.. هز رأسه في يأس وهتف وهو يصر على أسنانه: ـ أنت عنيد كالمتنبي ، سيقتلك أحدهم ذات يوم من شدة الغيظ ، وسيجتث رأسك بسيف مأجور.. ـ هل ستأتي؟ ـ سآتي .. سآتي وأمري لله.. وصلنا إلى جناح الأطفال ، فوجدنا الدكتورة أحلام عند الطفلة تقدم لها وجبتها الصباحية ، خفق قلبي وأنا أرى أحلام وهي تحتضن الطفلة كأم رؤوم ، وقد أمسكت زجاجة الحليب بيدها ، ومالت برأسها الجميل ذات اليمين وتركت نظراتها الوادعة تدثر الطفلة بحنان سابغ ، وعطف يتوهج من عينيها كأشعة الشمس الدافئة.. قلت لهاني وأنا ألكزه بكوعي: ـ انظر كيف تهتم أحلام بالطفلة؟ والتفت إلى هاني في نظرة خاطفة ، فلمحت في وجهه تعبيرا غامضا ، وظننت أنه مازال غاضبا لأني أخرته ، فقلت له مازحا: ـ ابتسم ، ولاتكن نكدا إلى هذا الحد.. قال هاني بلهجة تطفح بالضيق: ـ صلاح أرجوك .. ألق نظرة على طفلتك ودعنا نمضي.. تقدمت من أحلام وجعلت أنظر إلى الطفلة من خلف كتفها الأيسر.. كانت الطفلة تمتص حلمة الرضاعة في شهية ، وتنظر إلى أحلام نظرة بريئة ، وكأنها تقدم لها الشكر على ما تبديه نحوها من رعاية!.. ووجدتني أقول لها دون أن تشعر بوجودي: ـ من لا يعرف أنك طبيبة ، يظنك أم الطفلة.. التفتت أحلام ، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة ، لكنها ما إن رأت هاني يقف عند الباب حتى طوت ابتسامتها العذبة ، وقالت وهي تتكلف الجد: ـ حالة الطفلة مرضية الآن!.. التفت نحو هاني وقد مر بخاطري شيء فوجدته يتململ في مكانه ، ولم يلبث أن قال وهو يهم بالمضي: ـ أنا بانتظارك في السيارة.. ثم مضى بعصبية ظاهرة!.. هذا الفتور بين هاني وأحلام يقلقني منذ أيام!.. ثمة شسء لا أدريه قد حدث ، وخلف في نفسيهما جمودا ونفورا بدأ يتمادى بالظهور.. شيء غامض لا يسر استطاع أن يمتص روح البساطة والمرح التي كانت تخيم على علاقة الزمالة التي جمعتنا في مهنة واحدة ومستشفى واحدة!.. واستأذنت أحلام مودعا ، ثم مضيت خلف هاني.. ماذا وراءك من يا هاني من أسرار؟!.. الفصل السابع قال هاني متذمرا وهو يدير المفتاح في المحرك: ـ لقد تأخرت ، يبدو أن أحاديثكما كثيرة هذه الأيام.. ـ أحاديثنا؟!.. من تقصد؟!.. ـ أنت تعرف من أقصد.. ـ الدكتورة أحلام؟ ـ أجل.. إنها مهتمة بك!.. ـ حقا؟!.. نظر إليَّ نظرة خاطفة ثم تابع قائلا ، وهو يرقب الطريق أمامه: ـ يعني لم تلاحظ!.. ـ الدكتورة أحلام مهذبة ولطيفة مع الجميع.. قال هاني وهو يمسك بطرف شاربه الكثيف الذي يهتم به كثيرا: ـ أحلق شاربي هذا إن لم تكن قد لاحظت.. ـ ماذا تريد أن تقول؟.. ـ أريد أن أقول مبروك.. ـ على ماذا؟.. ـ لقد أحسنت الاختيار.. ـ هاني .. أنت تتسرع في فهم الأمور. تنهد هاني متحسرا ، وقال بنبرة باردة: ـ ستكون غبيا إذا خسرتها.. ـ من هي حتى أخسرها؟.. ضحك هاني ضحكة غريبة ، وهو يحملق بالأفق الممتد أمامه ، عبر نافذة السيارة الأمامية ، ثم قال وهو يفخم الكلمات كالساخر ، مستعينا بحركة يده وتعابير وجهه الممتعض: ـ إنها الدكتورة أحلام ابنة الملياردير عبد الغني الذهبي.. شركات وصفقات وعقارات وأرصدة هائلة في البنوك.. مال وجاه وقوة ونفوذ.. حاكم بلا حكومة ، وملك بلا تاج.. أو كما يسمي نفسه الإمبرطور!.. ثم التفت هاني إليَّ متهكما وقال: ـ ألم تسمع بالإمبروطورية الذهبية؟ ابتسمت وقلت: ـ معلومات مهمة!.. من أين حصلت عليها؟ ـ تحريات خاصة.. ـ لعلك فكرت بالزواج منها.. ـ ورفضت؟ ـ رفضت!.. هل تقدمت إليها ورفضت؟!.. ـ أجل ، فأنا لا أليق ببنت السلطان.. ـ هذه الأسرار تنشر لأول مرة.!.. ـ لا تقل بأنك لا تعلم ، لابد أنها قد أخبرتك.. خرجت عن طوري قليلا ، وقلت معاتبا: ـ هاني أنت تتصور أمورا غريبة لا وجود لها إلا في خيالك ، أنت تعلم أني شديد التحفظ في تعااملي مع الجنس الآخر ، أرجوك أن تنظر إلى الأمور بمنظار آخر.. إذا كنت قد سمعت منى تحوها بعض الثناء والإطراء فهذا لأنها تستحقه ، وليس مناورة لأحيطها بشباكي ، الدكتورة أحلام بالذات لا أستطيع إلا أن أكون لطيفا معها ، لأنها تعاملني معاملة طيبة ، وتبدي نحوي كل احترام.. هتف هاني وكأنه أمسك دليلا على أوهامه: ـ ها أنت تعترف ، في علاقتكما شيء أكثر من الزمالة ، هناك خيط من الود والتفاهم المستور بالاحترام.. قلت وقد نفذ صبري على اتهاماته: ـ هاني أرجوك ، لقد ضقت ذرعا بهذا النقاش ، أنت متوتر بعض الشيء لظروف قد لا أعرف تفاصيلها ، حاول أن تتخلص من أوهامك حتى لا تعكر صفو ما بيننا.. مال هاني بسيارته إلى جانب الطريق ، فأوقفها ، ثم ألقى برأسه على المقود في هددوء حزين ، واستمر كذلك برهة ، ثم التفت إليَّ وقال في ندم: ـ صلاح إني أعتذر ، هل تقبل اعتذاري؟ قلت وأنا أشد بكفي على كتفه مواسيا: ـ لست مضطرا للاعتذار ، أستطيع أن أتفهم موقفك.. استرخى هاني على كرسيه ، واستسلم لتيار من الكآبة ، ثم همس بنبرة حزينة: ـ نعم ، من الصعب أن تجد نفسك مرفوضا من فتاة أحلامك التي اخترتها لتكون شريكة لك في الحياة ، لا أخفيك ، لقد زلزلتني الصدمة ، وقوضت أحلامي ، لشد ما أنا حزين.. قلت في محاولة للتخفيف عنه: ـ هاني تماسك ، أحلام ليست الفتاة الأخيرة في العالم.. ـ تصورت أن فتاة غنية مثلها لابد أنها تبحث عن شاب ثري مثلي ، ولاسيما أننا زميلان في اختصاص واحد!.. ـ العواطف لا تخضع لحسابات العقل.. ـ ما آلمني أنها هي التي رفضتني!.. ـ ووافق أبوها؟.. ـ قالت : إني أحترمه كأخ وزميل ، لكني أعتذر عن الزواج منه. ـ حاول أن تنساها.. ـ أحاول.. ـ ابتسم الآن.. أضاءت ملامحه نصف ابتسامة ، وغاب برهة في صمته ، ثم التفت إليَّ قائلا: ـ سأكون سعيدا لو فزت بها أنت.. ـ هاني ، دعنا من هذه الحديث.. تابع هاني وكأنه لم يسمع رجائي: ـ أنا أعلم أن أحلام ستذهب إلى غيري ، وأنت الإنسان الوحيد الذي أرضى أن تفضله عليَّ.. لأنك أفضل مني فعلا.. شعرت بالخجل أمام بوح هاني وتواضعه الفريد ، وهزني إخلاصه من الأعماق ، همست في حياء: ـ هاني أرجوك ، لا تكرر هذا الكلام على سمعي بعد الآن.. ربت هاني على كتفي ، ثم أدار المفتاح ، وانطلق بسيارته في هدوء ، وقد ران علينا صمت مفعم بالمشاعر الرقيقة.. ما حيرني فعلا هو كتمان هاني لميله إلى أحلام عني ، وهو الذي لا يخفي عني سرا من أسراره!.. هاني كان يحبها منذ زمن بعيد؟ أم أن قرار مرتجلا دفعه إلى خطبتها فجأة؟.. أحيانا لا أستطيع أن أفهمه!.. إنه شاب مزاجي ، لكنه طيب جدا ، أطيب شاب عرفته في حياتي.. وداهمني سؤال.. هل أصبح اهتمامي بأحلام ، واهتمامها بي واضحا إلى الحد الذي جعل هاني يفصح عن غيرته مني.. وأنا أعز أصدقائه وأقربهم إلى نفسه؟.. الأشياء الكبيرة دائما تبدأ بسؤال!.. الفصل الثامن ـ ما الذي دفع الجناة لأن يلقوا بالطفلة في العراء؟ قل هاني وهو يرتدي راءه الأبيض: ـ أما زلت نفكر في تلك الطفلة؟ ـ لغزها يتحدى كل طاقاتي العقلية.. ـ آرسين لوبين في ثياب طبيب!.. ـ يقولون : إن آرسين لوبين خرافة لا وجود لها إلا في خيال المؤلف الذي اخترعها.. ابتسم هاني وقال في دعابة: ـ وأنت خرافة لا تصدق ، أريد أن أسألك سؤالا ، وأرجو أن تجبني عنه بصراحة!.. ـ أسأل؟ ـ من الذي نصبك مسؤولا عن هذا العالم؟ ـ هل أبدو هكذا حقا؟.. ـ ماذا تقول إذن في طبيب يحقق في جريمة التقى صدفة بأحد عناصرها؟.. ـ سم ذلك فضولا.. ـ فضولك يتعبني ، يرهقني بالتساؤلات ، تسألني وكأني أنا الذي أنجبت تلك الطفلة وألقيتها فريسة للمجهول.. قلت أستفزه: ـ كيف لم يخطر هذا ببالي؟.. لماذا لا تكون أنت والد الطفلة؟ هتف في إنكار: ـ أنا؟!.. ثم ابتسم ساخرا وأردف: ـ أنا كثيرا الأخطاء ، نعم ، ولكني أتحمل مسؤولية أخطائي.. أعدت عليه السؤال: ـ ما الذي دفع بالجناة لأن يتخلصوا من الطفلة؟ ـ ها أنت تعود إلى السؤال نفسه!.. ، حسنا ، سأجيبك.. ثم تابع وهو يجلس على حافة السرير: ـ الاحتمال الأول هو الخوف من الفضيحة. ـ هذا الاحتمال ضعيف ، لأن عمر الطفلة يزيد عن أربعة أشهر.. ـ مهما يكن ، يظل الخوف من الفضيحة دافعا واردا.. ـ فكر بدافع آخر.. ـ الفقر والجوع إذن!.. ـ لا أعتقد أن في مجتمعنا فقرا يجعل الأسرة تلفظ أطفالها وتلقيهم فريسة للشقاء بهذه الوحشية.. ـ لا تكن متفائلا ، الفقر والجوع في لبنان دفع بعض العائلات يوما لأن تعلن عن حاجتها لبيع أبنائها من أجل ثمن الخبز.. ـ هذه حالات خاصة ومحدودة!.. ـ ما أدراك أنها تتسع؟ نظرت إلى هاني في قلق ، هل عاد الفقر ليضرب مجتمعاتنا من جديد؟ أفي عصر الثروات العربية يوجد من يجوع ويعرى ويضطر لبيع أطفاله من أجل لقمة طعام؟.. وقلت بعد صمت وتأمل: ـ لا أعتقد أن الجوع أو الفقر يمكن أن يكون دافعا للتخلي عن هذه الطفلة بالذات ، لا تنس المبلغ الذي وجد بحوزتها ، إنه مبلغ لا يتوافر لفقير يضطره الجوع لأن يتخلى عن أطفاله.. قال هاني كالحائر: ـ أنت على حق.. ثم أردف كمن يريد التخلص: ـ هذا كل ما عندي ، فلا تسألني بعد الآن.. ضحكت ثم قلت: ـ هاني ، أنا لا أريد أن أشغلك بقضية لا تهمك ، لكني أحاول التفكير بصوت مسموع.. ثم أردفت بعد صمت قصير: ـ ألا يعقل أن يكون وراء هذه اللقيطة قصة إرث كبير ضن به الطامعون عليها حتى لا تشاركهم الميراث؟ هتف هاني ، وقد راقت له الفكرة: ـ آه .. هذه هو ، بدأت أعتنق أفكارك كمحقق ذكي ، القصة أصبحت واضحة الآن.. رجل ثري عجوز تزوج من صبية جميلة طمعا بالإنجاب ، بعد أن يئس من إنجاب زوجته الأولى ، وعندما أنجبت الزوجة الثانية طار صواب الزوجة الأولى وقررت أن تتخلص من ابنة ضرتها التي جاءت تزاحمها على التركة الثمينة ، فتسللت تحت جنح الظلام وخطفت الطفلة ثم ألقتها في حديقة المسجد بعد أن تركت قربه مبلغا من المال.. لقد تابعت مسلسلا عربيا حول قصة كهذه.. فكرت قليلا ، ثم قلت: ـ قد لا يكون الأمر بهذه الصورة تماما ، لكن قضية الصراع على الميراث ، قد تدفع بعض من أعمى بريق المال بصائرهم ، لأن يلغوا إنسانيتهم ويقترفوا إثما كهذا.. ثم استدركت وقد لمعت في بالي فكرة: ـ لكن الأم الحقيقة في هذه الحالة ستسأل عن طفلتها بكل وسيلة ، ستطرق أبواب المستشفيات وأقسام الشرطة وملاجئ الأيتام ، ستقلب الدنيا بحثا عن طفلتها.. الأم عندما تفقد أحد أطفالها تصبح كاللبؤة الجريحة التي لا يقف في وجه ثورتها شيء.. فكرهاني وقال: ـ هل تريد أن تقول... ـ نعم ، إن الأم تبحث الآن عن أي خيط يقودها إلى طفلتها المفقودة.. جلس هاني قربي ، وقال في حماس: ـ لقد بدأت أستمتع بلعبتك البوليسية!.. ـ هاني أنا لا ألعب.. ـ حسنا حسنا ، ماذا تريد أن تفعل الآن؟.. ـ يجب أن نعمم خبر وجود الطفلة عندنا في المستشفى بأية وسيلة.. ـ من خلال الصحافة مثلا.. ـ هل تعرف أحد يعمل في الصحافة؟.. ـ أعرف صحفيا مشهورا لا يشق له غبار.. ـ من هو؟ ـ الأستاذ سعيد الناشف ، صاحب جريدة الأيام.. ـ أمعرفتك به قوية؟.. ـ إنه صديق قديم لوالدي ، وهو يزورنا باستمرار.. وقفت وقلت بنبرة متفائلة: ـ سنزوره بعد انتهاء الدوام.. ـ ولكن على شرط.. ـ ما هو؟ قال هاني في مكر: ـ تملأ خزان سيارتي بالبنزين.. | ||
| | |
| | #4 | ||
| مشرف عضو ماسي ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الفصل التاسع ضحك الأستاذ سعيد وقال وهو يسترخي بجسده فوق كرسيه الجلدي الدوار: ـ هل تقومان حقا بحل لغز هذه الطفلة؟ حاول هاني أن يبرئ نفثه وقد أحس في كلام الأستاذ سعيد سخرية من خطوة كهذه ، قال وهو يشير إليَّ: ـ إنه الدكتور صلاح ، هو صاحب الفكرة.. كرر الأستاذ سعيد سؤاله لي كمن فوجئ بمعرفة شيء لا يتوقع: ـ هل أنت مهتم فعلا بحل لغز الطفلة إلى هذا الحد يا دكتور صلاح؟ قلت وأنا مندهش للسؤال: ـ نعم هل هي ذلك خطأ؟ فرقعت ضحكة الأستاذ سعيد في أرجاء الغرفة الأنيقة ، ثم قال وهو يعبث بيده في جيوبه باحثا عن شيء: ـ لا أصدق.. ـ ما الذي لا تصدقه؟ لا أصدق أن في شباب اليوم من يفكر مثلك ، كنت أظن أن زماننا قد انتهى ، ولكن.. ها أنت تذكرني بشبابي.. همست في حيرة: ـ أستاذي الكريم ، أنا لا أفهمك!.. عثر الأستاذ سعيد عما كان يبحث عنه ، فأخرج غليونه الأسود الفاخر وقال ، وقال وهو يحشو بالتبغ الذي فاحت رائحته في أرجاء المكان: ـ قصدت أن أقول بأن موقفك هذا ينسجم تماما مع روح الشباب المتوثبة المشبعة بالفضول ، الشباب المسؤول المتحمس قضية نبيلة.. شبابنا اليوم للأسف مصاب بالإحباط المزمن ، ومن أخطر أعراض هذا المرض اللامبالاة التي ينظر بها شبابنا إلى الأمور والأحداث التي تجري حولنا ، وأنت يا دكتور صلاح ظاهرة صحية مبشرة.. عندما كنت في سنك كنت هكذا مثلك ، تثيرني الأحداث ، وتدفعني للمبادرة ، كنت أحب أن يكون لي موقف من كل حدث مهما كان صغيرا ، وكنت أحب دائما أن أترجم الموقف إلى فعل.. قال هاني ، وقد أحب أن يشمله الأستاذ سعيد بمدحه: ـ في الحقيقة ، لقد أثارنا لغز الطفلة اللقيطة ، وأثرت فينا قصتها المحزنة ، فأتينا نطلب مساعدتك في معرفة الأشخاص الذين يقفون وراء هذه الجريمة.. قال الأستاذ سعيد في صراحة تشف عن مدى العلاقة الحميمة التي تربطه بوالد هاني: ـ اسكت أنت ، أنت انتهازي كأبيك ، منذ قليل كنت تتبرأ من اهتمامك بالطفلة ، وها أنت تدعي الآن أن لغز الطفلة قد أثارك وحدا بك لأن تحضر إلى هنا!.. أقطع ذراعي إن لم يكن الدكتور صلاح هو الذي قادك إلى هنا.. ابتسمت لكلمات الأستاذ سعيد التي لا تخلو من الدعابة ، وأدركت أنه إنسان ذكي قد عركته التجارب وحدت نظرته للناس.. سأل الأستاذ سعيد هاني وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة: ـ أما زال أبوك صديقا لوزير التموين والتجارة؟ ـ نعم ، علاقتهما طيبة كما تعرف!.. ـ قل لأبيك ألا يسرف في الولائم ، فمعالي الوزير على وشك الإقالة ، هناك تعديل وزاري سوف يشمله عما قريب.. ابتسم هاني في خبث ولاذ بالصمت ، إنه يدرك ما رمى إليه الأستاذ سعيد ، فقد حدثني كثيرا فيما مضى عن التكتيكات الوصولية التي يتبعها أبوه من أجل تطوير أعماله التجارية ، والعلاقات الحميمة التي يسعى لإقامتها مع المسؤولين طمعا بمساعدتهم.. قال الأستاذ سعيد بعد أن أرسل تنهيدة طويلة: ـ هذا زمان مختلف ، زمان عجيب ينطوي على تناقضات صارخة مثيرة ، في هذا العصر الذي نعيشه ليس هناك مكان للحقيقة ، لا قيمة للمبادئ والمثل ، لا معنى لأن تكون إنسانا.. ثم بعد ابتسامة ساخرة: ـ لأنك إذا أردت أن تكون إنسانا فستكون الإنسان الوحيد وسط مجتمع من الذئاب.. لكنه استدرك فجأة وقال: ـ لا أقصد أنك الإنسان الوحيد ، أبدا.. فمجتمعنا لا يخلو من النماذج الخيرة الرفيعة ، بل عنيت إنك إذا أردت أن تكون إنسانا نبيلا ، فسوف تبدو غريبا ، سينظر إليك المجتمع وكأنك كائن عجيب قادم من عالم منقرض ، ستكون منبوذا لا يكاد يلتفت إليك أحد ، وستعيش غربة قاتلة.. وليت الأمر يقف عند هذا الحد!.. إذن لهان الأمر ، لكن المصيبة أن الناس لن يتركوك في وحدتك تمارس النظافة التي ترتاح إليها ، بل سيلومونك ويثبطونك ويحذرونك من مسلك النبيل ، لأن قدرتك على السمو ستعريهم وتكشف ضعفهم ، سيتهمونك بالسذاجة والمثالية الفارغة.. هكذا نحن اليوم ، نسمي النبل والتطوع والإحساس بالآخرين والالتزام بالقيم مثالية فارغة ، وتطلق على هذا النوع من السلوك "التعامل الرومانسي مع الواقع".. أنا صرت أكره كلمة الواقع هذه ، لقد أصبحت تعني الهزيمة ، تعني الاستسلام لهذا لفساد الذي يجتاحنا كالطوفان.. التفكير الواقعي قاموسنا الملوث أصبح يعني الانصياع للواقع المريض ، واتخاذه مقياسا للسلوك والتصرف ، صار يعني أن تكون كما يريد هذا الواقع لا أن يكون الواقع كما تريد.. حتى تكون واقعيا في هذه الأيام يجب أن تكون (شاطرا)..(ملحلحا)..(فهلويا).. يجب أن تكون ذئبا.. نعم ، فهذا العصر عصر الذئاب!.. كان الأستاذ سعيد يتحدث بمرارة ، وصمت لحظة ثم تابع ، وهو يهز غليونه الذي كان يحتضنه داخل قبضة يده اليسرى: ـ صار لي في هذه المهنة أكثر من أربعين عاما ، أربعين عاما وأنا أراقب المجتمع ، وأسجل ملاحظاتي عليه ، كنت ألاحظ بداية الانهيار وأقاومها بقلمي ، عاصرت الانهيارات والهزائم الكبرى التي تعرضت لها الأمة ، فوقفت أعري أسبابها وأحذر من آثارها ، كنت أؤمن أن الحياة موقف ، وكانت مواقفي واضحة صريحة.. ثم ماذا كانت النتيجة؟ حاربتني الدنيا.. حاصرني الجوع.. خنقتني الغربة وذات يوم تقهقرت ، وقعت أسيرا لليأس ، فكسرت سيفي وركعت.. وأجرت قلمي ، وصرت أكتب ما أريد وما لا أريد ، وأصفق للجميع.. كان في كلام الأستاذ سعيد نوع من البوح.. شيء من كالاعتراف ، وتأملت الشيب الذي توج رأسه ، فأدركت أن تحت كل شعرة بيضاء قصة حزينة ، أو تجربة مريرة ، وشعرت بالرثاء لرجل يروي قصة سقوطه أمام التحديات.. "هل يمكن أن تكون هذه نهاية المخلصين؟!".. شعرت بالفزع من أمام هذا التساؤل الذي داهمني فجأة ، وأنا أنصت للأستاذ سعيد وهو يتابع بوحه المثير: ـ لقد انتهى عصر المثل والمبادئ والقيم العظيمة ، وبدأ عصر مختلف ، عصر يحكمه قائد واحد اسمه الدولار.. كلنا نلهث وراءه ونصفق له بإعجاب ، إنه الوثنية الجديدة التي استعبدتنا وألغت عواطفنا وجردتنا من القيم.. أنا لو كنت الآن مكانك لما هزتني حادثة هذه الطفلة!.. عفوا.. أنا لست متبلد الحس ، أرجو ألا تفهمني خطأ.. لكن ، ما أردت قوله أن أطفالنا اليوم يدمرون بألف طريقة ، وهذه الطفلة ليست أسوأهم حظا.. ماذا تقول مثلا في أطفال يموتون جوعا في الصومال أو العراق؟.. ماذا تقول في أطفال تزهق أرواحهم في الأرحام بعمليات الإجهاض الظالمة التي يجريها أطباء أقسموا اليمين الطبي المغلظ؟.. ماذا تقول في جيل كامل تدمره الأفلام والمسلسلات الهابطة ، ويستهلك فكره وإبداعه الفن الرخيص؟.. ماذا تقول في آباء وأمهات يتركون أطفالهم للخادمة الغربية من هنا وهناك ، من أدل أن يستمتعوا بأوقاتهم في حفلات اللهو والثرثرة والمتعة الزائفة؟.. أطفالنا اليوم يا دكتور يربيهم جهلة سريلانكا والفلبين.. ثم أرسل تنهيدة ساخرة وقال: ـ ماذا تقول في أم تحرم طفلها من حليب ثدييها الطبيعي خوفا على نهديها من الذبول؟.. إنهن يبعن الطفولة من أجل لحظة إغراء.. من أجل كلمة إطراء.. هذا هو البغاء الجديد الذي نمارسه اليوم بعد أن أصبح جمال الجسد عندنا قبل سلامة الروح.. وأنت تعرف أكثر مني يا دكتور عن أهمية حليب الأم لأرواح الأطفال وأجسادهم.. ومرت هنيهة صمت ، غاب الأستاذ سعيد خلالها في شرود عميق ، ولم يلبث أن قال: ـ لقد ضاق بنا هذا العالم على رحابته!.. ضاق بنا ولم يعد يتسع لزفراتنا الأليمة.. وأردف بنبرة ألم: ـ أحيانا أتمنى أن أصرخ ، أن أنزل إلى الشارع وأهتف كالمجانين ، لألفت العالم إلى تناقضاتنا الصارخة الغبية.. ثم التفت إليَّ وقال كالمستدرك: ـ أنت يا عزيزي حزين من أجل طفلة تخلى عنها أبواها ، وتبنتها الهيئة الاجتماعية ، حسنا ، لنقل إن هذه الطفلة ستعيش يتيمة وتشق طريق حياتها متأقلمة مع هذه الحقيقة ، لكن.. ماذا عن أطفال ينضجون وسط جحيم الأسرة ، عندما تفقد الأسرة إلى روح الحب والتفاهم التي تبعث فيها الحياة؟.. ينامون على صراخ آبائهم وأمهاتهم ، ويستيقظون على صوتهم الهادر بالشتائم واللعنات.. ماذا عن أطفال يربيهم آباء وأمهات لا يعرفون معنى التربية السليمة ولا طرائقها؟ لا يعرفون من التربية إلا القمح المرهق أو الدلال المفسد..يتبوءون مقاعد الأبوة والأمومة وهم لا يعرفون عن الزواج سوى أنه إطار المتعة الحلال ، ووسيلة للتناسل والإنجاب.. ووسائل إعلامنا غافلة عن هذه الأمراض المدمرة.. لا تكاد تجد فيها برنامجا أو حتى توجها لتثقيف الآباء ، أو تربية الأبناء.. وأطلق الأستاذ سعيد آهة عميقة وشت بالكرب ، وقال كمن يخاطب نفسه: ـ لكم ترهقني الحقائق!.. تجثم على صدري كالكابوس ، تنشب أظافرها في نفسي ، وكأني أنا الجاني الوحيد.. أي عالم هذا الذي نعيش فيه؟!.. ثم صمت الأستاذ سعيد ، وقد اعترته كآبة واضحة.. تبادلت أنا وهاني نظرة حائرة ، ثم عدنا بأعيننا إليه ، تبوح نظراتنا بلهفتنا لسماع بقية الحديث.. تستحثه أن يتابع سرد خلاصة تجاربه العميقة ، لكن الأستاذ سعيد أوغل في الصمت ، واغتسلت نظراته الشاردة بأنداء من الدمع.. تساءلت في سري عن المعنى الذي يختفي وراء هذا الصمت الحزين.. لكن الأستاذ سعيد خرج عن صمته فجأة ليروي لنا قصة مؤلمة من القصص التي عاصرها أثناء حياته الصحفية الحافلة.. قال الأستاذ سعيد وهو يعيد إشعال النار في غليونه الأنيق: منذ سنوات ، أبلغني محرر صفحة الحوادث بأن طفلة صغيرة قد وجدت مغتصبة ومقتولة في بناء مهجور.. صعقني يومها النبأ.. من هذا الوحش الذي يجرؤ على قتل طفلة؟!!.. قلت له: "أعطني العنوان.. سأغطي هذا الحادث بنفسي".. أردت أن أعرف ملابسات هذه الجريمة الغريبة!.. وصلت إلى مكان الحادث ، وعرَّفت المحقق بنفسي ، وسألته أن يريني الجثة.. رفع الضابط الغطاء عن جثة الطفلة ، فصدمني منظر فظيع لا أنساه!.. هل رأيت الورد عندما يداس؟.. كانت طفلة وديعة.. جميلة كالزهر.. بريئة الطيف.. رقيقة كالنسمة.. طاهرة كالندى.. على شفتيها أشلاء ابتسامة.. تجمدت نظراتي الثائرة على الجسد الغض الذي سحقه المجرم تحت جسده القذر ، وأججت ثورتي تلك الدماء الطاهرة التي كانت تغرق الطفلة ، وشعرت بالغثيان وأنا أرى أبشع صورة للانحطاط البشري.. كان الغضب يغلي في عروقي كالبركان.. نظرت إلى المحقق فلم أجده أحسن مني حالا ، قال لي وكأنه يجيب عن سؤال نطقت به ملامحي الشاحبة: لقد تم اغتصابها بوحشية ، والتقديرات الأولى تشير إلى أنها ماتت بسبب النزيف المهبلي الحاد الذي خلفه الاغتصاب الغادر.. سألته : والجاني؟ هل عرفتم الجاني؟!.. أجاب وهو يهز رأسه في أسف: مازال مجهولا ، لكننا نأمل أن يتم اكتشافه عما قريب حتى ينال العقاب المناسب.. قلت له : تقصد الإعدام!.. أجاب: هذا شيء تقرره المحكمة.. قلت له وأنا في ذروة الغضب: إذا لم تعدموه أنتم ، فسأقتله بنفسي مع سبق الإصرار والترصد ، كن شاهدا على هذا الكلام.. ابتسم المحقق يومها ، وأشفق عليًّ من ثورة الغضب والحزن ، وظن أن كلامي عن انفعال طارئ ولًّده منطر الطفلة القتيلة ، لكني أؤكد لكما أني لم أكن جادا في حياتي مثلما كنت جادا في تلك اللحظة.. ثم دار الأستاذ بكرسيه ربع دورة ، وقال: ـ بعد أيام اكتشفوا الجاني ، كان واحدا من شباب الحي ، شاب عاطل عن العمل ، يقضي وقته متسكعا في الطرقات ، يتردد على دور السينما الهابطة ليأخذ جرعت عالية من الإثارة وحمى الجنس ، ثم يخرج منها كالكلب المسعور ليلاحق هذه ويعتدي على تلك.. ذات يوم كان هذا الشاب يتجول في أزقة الحي كعادته ، فداهمه المطر فجأة ، فلجأ إلى عمارة قريبة قيد الإنشاء ليحتمي من الأمطار الغزيرة التي انهمرت بشدة.. راح يتسلى بتدخين سيكارة حشيش ، فلعب المخدر برأسه ، فانفصل عن عالم الوعي ، وغاص في الوهم والزيف ، فماعت في خياله الأفكار والمدركات ، واختلطت ، وتحولت إلى هلام , وتربع على عرش النشوة الكاذبة ، فتراءى له الكون وهو يركع عند قدميه.. ورأى هذا المأفو الطفلة البريئة وهي تركض تحت المطر باحثة عن ملجأ ، وقد التصقت ثيابها المبللة بجسدها الغض ، فبدت له غانية حسناء كاللواتي أدمن على مشاهدتهن في الأفلام الرخيصة المسمومة ، فبدد الدخان الأزرق إرادته ، وحرك غرائزه الكامنة ، فعربدت في أعماقه رغبة بهيمية مجنونة ، وسولت له نفسه السوء ، فدعا الطفلة لتلوذ بالمكان الذي يحتمي به من المطر ، فاستجابت الطفلة المسكينة لدعوته ، دون أن تفهم ما يراد بها.. كان وعيها ما زال غضا لم ينضج بعد ، كانت تنظر إلى العالم ببراءة ، خيالها الصغير ما زالت أجنحته ضعيفة لا تقوى على الطيران بعيدا في فهم نوايا الناس ونزعاتهم ، خيالها الطاهر لم يتخط بعد أسوار الخير ، وحدود الفرح ، ليحلق فوق مساحات الشر التي تتسع في النفوس المريضة عندما تفقد إنسانيتها وأصالتها.. وانقض الوغد عليها كالوحش ، وافترسها ببهيمية منقطعة النظير.. كانت الفتاة تصرخ وتستغيث ، وهي ترى الإنسان الوديع الذي يشبه أباها وأخاها يتحول إلى ذئب مفترس ، وضاعت صرخاتها بين هدير الرعد وطرقا المطر ، وبدأت أفراحها تنزف رويدا... رويدا ، حتى ذوت منها الروح ، وخبت ، وفارقت الحياة.. وعاد الأستاذ سعيد إلى صمته يحملق في المجهول ، وترك العنان لدموعه الصامتة لتغسل نظراته الزائعة الكئيبة.. كان في نظراته حزن وثورة ، وغضب متوقد كالنار ، واجتاحتنا كآبة فظيعة ونحن نصغي لأبشع قصة يمكن أن تدنس الأسماع.. سألت الأستاذ سعيد وأنا في لهفة لمعرفة نهاية هذا المجرم: ـ هل أعدموه؟ أجاب الأستاذ سعيد وهو ذاهل: ـ نعم ، كانت جريمة بشعة هزت الرأي العام ، وكانت الظروف المحيطة بالقضية تحكم حبل المشنقة حول رقبته ، فأعدم في ميدان عام ليكون عبرة لغيره من الشاذين والمنحرفين.. ثم ارتسمت على شفتي الأستاذ سعيد ابتسامة ساخرة ، قال وهو يتذكر: ـ حرصت على حضور كل جلسات المحكمة التي مثل أمامها ذلك المجرم ، كنت أحاول دراسة هذه الشخصية المنحرفة ، ورصد المدى الذي وصلت إليه الجريمة في بلادنا ، وكان مما أثار غيظي في هذه المحاكمة ذلك المحامي الذي وقف ليدافع عن المتهم ، ويطالب المحكمة أن ترأف بحاله ، وتقدر دور الفراغ والبطالة في الجريمة ، واتكأ على سيجارة الحشيش ليخفف الحكم على المتهم ، مدعيا أنه كان مدفوعا إلى جريمته تحت تأثيؤ المخدر الذي لعب بعقله وشل عنده القدرة على التمييز.. وعندما انتهت المحاكمة وصدر الحكم بالإعدام على المجرم ، سألت ذلك المحامي : "كيف سمح لك ضميرك بأن تدافع عن هذا الوغد؟" استغرب المحامي سؤالي وسألني عن اسمي وصفتي ، فعرفته بنفسي.. فضحك ساخرا وقال : "أنت؟" قلت له :"نعم ، قل يبدو اسمي مضحكا إلى هذا الحد؟" قال:"لا ، أبدا ، فقط فاجأني سؤالك!." نظرت إليه مشدوها ، وقد أثارني تصرفه ، فسارع يقول:"في الماضي يا أستاذ كنت أقرأ مقالاتك بشغف ، وأعجب بصراحتك وحماسك ، لكني لم أعد ألمس بلك الروح في مقالاتك الأخيرة! لم تعد تكتب يا عزيزي ما تريد".. ثم أردف وهو يرمقني بخبث: ـ "بين المحامي والصحفي يا صديقي شبه واضح ، كلاهما يضطران أحيانا للدفاع عن الباطل من أجل لقمة العيش". هز الأستاذ سعيد رأسه في مرارة ثم امتص بعض الدخان من غليونه ، ونفثه كمن يزفر من شدة الألم ، وقال: ـ "كان المحامي ذكيا ، صفعني بكلماته ، ومضى ، وتركني فريسة للذهول!.. منذ ذلك التاريخ كسرت أقلامي وألقيتها في بحر اليأس والهزيمة ، امتنعت عن كتابة مقالي اليومي ، وحولت صحيفتي إلي صحيفة حوادث وقصص وتسليات ، صرت أنقل اخبار الفنانين وأسعى وراء النجوم ، خصصت صفحة للتعارف ، وأخرى للبحث عن النصف الآخر ، وثالثة للأبراج ، رابعة للأزياء وخامسة لآخر الصرعات.. وآلمني أن الناس أقبلوا على جريدتي بعد أن كانوا زاهدين فيها ، وارتفعت مبيعاتي من خمسة آلاف إلى خمسين ألفا..." كان كلام الأستاذ سعيد صريحا صادقا ، وكان يقطر مرارة وألما ، وكأنه حديث إنسان ينعى نفسه ، ويعلن هزيمته بشجاعة نادرة.. وتساءل هاني كالمازح: ـ أيؤلمك يا سيدي أن يقبل الناس على جريدتك؟ ابتسم الأستاذ سعيد في مرارة وقال: ـ ما آلمني هو الحقيقة المرة التي تقف خلف هذا الإقبال ، فقد أكدت لي هذه التجربة أننا أمة هاربة ، ترهبها الحقائق ، وترهقها الصراحة ، نحن مجتمع لا يريد أن يواجه نفسه ، يخشى أن يرى وجهه في المرآة حتى لا تفجعه التشوهات الدميمة التي تتسع مساحتها فينا يوما بعد يوم ، نحن مجتمع يريد أن يبقى مخدرا نائما مغمض العيون ، مجتمع يخشى أن يسترد وعيه.. يخشى أن يصارحه المعالجون بأنه مصاب بالسرطان ، أنه بحاجة إلى جراحة عاجلة لاستئصال الأورام الخبيثة من جسده المريض!.. ثم أردف الأستاذ سعيد بعد صمت قصير ، وهو يلقي نظراته نحوي : ـ اطمئن يا دكتور ، صحيح أني صحفي فقد حماسه ، لكني ما زلت إنسانا ، اطمئن سأتعاطف مع مشاعرك النبيلة , وسأنشر لك خبر الطفلة اللقيطة عدا في الصفحة الأولى.. ثم أرسل الأستاذ سعيد تنهيدة طويلة ، وأغمض عينيه إغماضة من ألم به ألم حاد اخترق جسمه ، ولم يلبث أن قال: ـ أرجوكما أن تتركاني لوحدي الآن ، فقد أثارت زيارتكما في نفسي شجنا كنت أظن أني قد برأت منه!.. كان طلب الأستاذ سعيد مفاجئا وغريبا ، أوحى لي بعمق الغربة التي يحياها.. شكرناه ، وغادرناه في هدوء ، تطاردنا تلك الصورة المخيفة التي رسمها لنا لهذا العصر الرديء.. قال هاني وهو يتأبط ذراعي: ـ هذا الإنسان يخيفني..يرسم أمامي صورة قاتمة للمستقبل!.. ـ لكن كلامه لا يخلو من الحقيقة!.. ـ عندما يزور هذا الإنسان والدي ، أتجنب الجلوس مع ، أهرب من البيت كله حتى لا أسمع كلامه ، لاأدري كيف سمعته اليوم حتى النهاية.. قلت وأنا أستذكر كلمات الأستاذ سعيد: ـ ألم يقل لك الأستاذ سعيد؟.. أنت من مجتمع هارب ، لا يريد أن يسمع ، لا يريد أن يعرف ، يريد أن يظل نائما مخدرا ممعنا في الهروب.. قال هاني كالهازئ: ـ وأنت؟ من أي مجتمع؟.. ـ أنا أريد أن أعرف.. ـ ستتألم.. ـ الألم من علامات الحياة.. ـ ستتعذب.. ـ العذاب يزيدنا إحساسا بالواقع ، وتصميما على التغيير.. ـ يبدو أنك قد أصيب بالعدوى!.. ـ ممن؟ ـ من سعيد الناشف.. ضحكت وقلت: ـ أنت المسؤول ، أنت الذي عرفتني به.. ـ لم أعرف أنك تستعذب التشاؤم مثله.. ـ تشخيص أمراض المجتمع ، والبحث عن أسباب السقوط ليس تشاؤما ، إنه الطريق إلى الخلاص.. هتف هاني في توسل وإنكار: ـ رحماكم أيها المصلحون ، هل تريدون مني أن أشخص أمراض المجتمع ، أم أشخص أمراض الناس؟.. ثم أردف في ضراعة ودعابة: ـ أرجوك.. أرجوك يا صديقي اللدود ، دعنا من هذا الحديث.. وكالعادة ، استطاع هاني أن يزيل بدعابته الجو الكئيب الذي وضعنا فيه الأستاذ سعيد.. ومضينا نثرثر ونمزح ، ونمعن في الهروب... | ||
| | |
| | #5 | ||
| مشرف عضو ماسي ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الفصل العاشر صدر العدد الجديد من جريدة الأيام في اليوم التالي ، قرأ الناس فيه خبر الطفلة اللقيطة على الصفحة الأولى ، وتناقلت الألسنة قصة هذه الطفلة البائسة باستنكار ، قال هاني وهو يقلب صفحات الجريدة: ـ لقد وفى الأستاذ سعيد بوعده ، وأورد الخبر بكل تفاصيله ، وها هي الخطة تمضي كما رسمناها.. قلت وأنا ساهم: ـإذا كانت والدة الطفلة بريئة مستغفلة كما توقعنا ، فسوف تأتي إلى هنا ، لتسأل عن طفلتها ، وإلا فسوف نعود إلى نقطة البداية.. ضحك هاني وقال وهو يرمي الجريدة خلف ظهره: ـ تتحدث وكأنك محقق حاذق يقف أمام قضية معقدة ، لا أدري كيف أقنعتني بهذه اللعبة!.. قلت له بنبرة جد: ـ أنا لا ألعب ، إذا كنت تظن الأمر لعبة ، بإمكانك أن تنسحب.. قال هاني ضاحكا: ـ ولماذا أنسحب؟ أنا استمتع باللعبة ، وأنت تؤدي واجبك كما تعتقد ، كلانا في موقع واحد ، لكن كلا منا ينظر إلى الأمر من زاويته.. واستنفرنا لصد كل من يسأل عن الطفلة ، وانضمت ِإلينا أحلام ، بعد أن شرحت لها الغاية من الخبر الذي نشرنها ، ومضى النهار سريعا دون أن يسأل عن الطفلة أحد ، قال هاني بعد أن انتهى دوامه: ـ اعذرني يا صديقي ، يجب أن أمضي.. ـ ألن تبقى معي لتكمل اللعبة كما تسميها؟ قهقه هاني عاليا ، وقال: ـ عفوا ، أنا لا ألعب في الوقت الضائع ، تابع مهمتك يا بطل ، وأخبرني بالنتائج.. ومضى هاني ، فأشعرني انسحابه بأني أعبث ، وكدت أستسخف ما أقدمت عليه لولا أحلام التي أبدت تعاطفا واهتماما ، فقررت أن تمد نوبتها لتراقب نهاية التجربة.. ومضى اليوم الأول دون أن نظفر بنتيجة ، فشعرت بخيبة مؤلمة ، لكني لم أيأس ، استقبلت اليوم التالي بحماس شديد ، ورحت أترقب حضور الأم لتسأل عن طفلتها ، لكن شيئا من هذا لم يحدث!.. شعرت بالإحراج أمام هاني وأحلام ، وكل الذين تعاطفوا معي ، وحاصرني شعور مزعج بأني إنسان مبالغ ينخ الاهتمام في الأمور الصغيرة فتكبر وتنو وتتورم حتى تنفجر ، وتحدث حولها دويا مزعجا يلفت نحوه الأسماع والأنظار.. وانهال هاني عليَّ بتعليقاته اللاذعة ، يتهمني بالمراهقة تارة ، وبالبحث عن تسلية تارة ، ثم راح يرثى لحالي ، ويحذرني من طيبتي الزائدة التي تورطني في مواقف محرجة.. وبعد أيام ، تماثلت الطفلة اللقيطة للشفاء ، وأصبحت حالتها الصحية تسمح لها بالانتقال إلى ملجأ الأيتام.. قالت أحلام: ـ لقد قدمت تقريرا مفصلا عن حالة الطفلة إلى مدير المستشفى ، ليقوم بتحويلها رسميا إلى ملجأ الحنان للأيتام.. قلت بنبرة آسفة: ـ كنت أتمنى أن نصل إلى نتيجة.. ابتسمت أحلام وقالت مازحة: ـ كانت مغامرة فاشلة هذه المرة ، ابحث عن مغامرة جديدة.. لم أجد ما أقوله ، تهالكت على كرسي قريب ، وجلست كالمهزوم.. قالت أحلام بلهجة تشي بالمواساة: ـ على أية حال ، لقد قمت بجهد نبيل يستحق الاحترام.. شكرتها بإيماءة صامته ، ثم همست وأنا أهم بالنهوض ثانية: ـ يبدو أني أبالغ كثيرا في اهتماماتي!.. ـ لا تؤنب نفسك ، أردت أن تقدم شيئا مفيدا ، فكان الأمر يفوق طاقتك.. لم تستطع كلمات أحلام الرقيقة أن تخفف عني ، تركتها وهي ترمقني في إشفاق ، وغادرت المكان.. استوقفتني أحلام بعد أن مضيت خطوات وسألتني: ـ إلى أين؟ ـ إلى العم درويش.. ـ دائما تذهب إليه.. ـ لقد اشتقت إلى قهوته.. ـ بل قل أنك ذاهب لتبوح له بما يثقل صدرك.. ـ كيف عرفتِ؟ ـ كلنا نذهب إليه.. ـ معك حق.. ومضيت مثقلا بالخيبة ، يجتاحني شعور بالتفاهة ، ولم تلبث أحلام أن استوقفتني مرة أخرى: ـ على فكرة... ـ ماذا؟ ـ لقد أحضر العم درويش زوجته بالأمس ، وأراها الطفلة.. حملقت في الأرض ، وتصورت للحظة كل المعاني التي تكمن خلف هذه الزيارة، أردفت أحلام: ـ لقد كان موقفا مؤثرا ، إني أرثي لهذين الزوجين العاثرين.. قلت وأنا أمضي: ـ يبدو لي أنا جميعا بحاجة إلى رثاء.. | ||
| | |
| | #6 | ||
| مشرف عضو ماسي ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الفصل الحادي عشر قال العم درويش وهو يقدم لي فنجانا شهيا من القهوة: ـ لم يسألوا عن الطفلة ، أليس كذلك؟ ـ ها أنت مطلع على آخر الأنباء.. تنهد العم درويش وقال وهو يسحب كرسيا ليجلس معي: ـ هناك أمر يختمر في بالي منذ أيام ، وأريد أن أشاورك فيه.. تناولت رشفة من فنجاني ، وقلت وأنا أرنو إليه في إشفاق: ـ أعرف ما تريد قوله ، الطفلة ؟ أليس صحيحا؟ ـ هل أستطيع أن آخذها وأربيها؟ ـ تفعل خيرا لو أقدمت على ذلك.. سرت في جسد العم درويش شحنة من الحماس ، وأشرق وجهه بالبشر والحبور ، هتف كالحالم: ـ سأربيها أحسن تربية ، وسأدللها دلالا تغار منه بنات القصور ، لكم أنا في شوق إلى الأطفال يا دكتور!.. ـ أتفهم مشاعرك ، أنت تستحق كل خير يا عم درويش.. قال العم درويش وهو يستجيب لشحنة جديدة من البشر والنشاط: ـ لعلك لا تتصور مقدار حماس زوجتي للفكرة ، إنها تلح عليَّ في الصباح والمساء على أخذ الطفلة لنربيها ونرعاها ، وهي تغرق الطفلة بالقبلات والدموع ، وتشبعها ضما ولثما وتقبيلا ، إننا نحيا حياة قاسية بلا أطفال.. كان المسكين يتكلم بحرقة وأسى ، وأحسست بلسع الحرمان الذي يعانيه هو زوجته فقلت أواسيه: ـ لا تحزن يا عم درويش لعل الله قد شاق الطفلة إلينا لتقر بها عينا أنت وزجتك.. قال العم درويش في لهفة طاغية: ـ كيف أستطع أخذها؟ ـ عليك أن تتقدم بطلب إلى ملجأ الأيتام الذي ستحول إليه.. ـ ولماذا لا أستلمها من هنا؟ سأوقع على كل الضمانات والتعهدات اللازمة.. ابتسمت مشفقا ، وقلت: ـ أنت مستعجل أكثر مما يجب!.. أطرق العم درويش وهو يهز رأسه في حزن ، ثم قال بنبرة تنم عن لهفته وأشواقه الملتهبة: ـ العمر يمضي يا دكتور ، ولم يبق منه سوى القليل ، وأنا أريد أن أودع الدنيا على صوت طفل يقول لي بابا... بابا ، ماما... أغنية جميلة تعطر البيوت الحزينة ، وترد إليها الروح .. أغنية عذبة حرمناها واشتقنا إليها.. نريد أن نسمعها ولو من طفلة لم ننجبها ، وزوجتي يا دكتور صلاح امرأة طيبة ، قدمت لي الحب والإخلاص ولا أستطيع أن أرفض لها طلبا ، لقد ولعت بالطفلة وتعلق قلبها بها ، ويجب أن أحقق لها أمنيتها ، أرجو ألا تفهم أني رجل ضعيف الشخصية أو كما يقول أخي أبو رشيد: رجل محكوم على أمري أصغي لكلام النساء ، الأمر ليس كذلك ، كل ما في الأمر أني أحب زوجتي وأحترمها وأقد الأيام الطيبة التي عشناها معا ، أريد أن أقدم لها خدمة تكافئ تضحيتها من أجلي ، سأعترف لك بشيء.. أنا أعرف أن العيب فيَّ ، أعرف أني الذي لا أنجب ، وهي تعرف ، لكنها امرأة وفية ، رفضت أن ننفصل وتتزوج غيري ، قالت لي يومها والدموع في عينيها: لقد قضينا أجمل سنيَّ العمر محرومين من رائحة الأطفال ، فحمدنا الله ، ورضينا بالمكتوب ، فلماذا تريد أن توقظ الجرح الآن وقد كاد أن يلتئم؟د دعنا من هذه السيرة الله يخليك.. ومسح العم درويش دمعة أفلتت منه رغما عنه ثم أردف قائلا: ـ يجب أن أكافئها يا دكتور ، أليس كذلك؟.. أثار حديث العم درويش مشاعري ، همست وأنا أرنو إليه بانفعال: ـ أنت مثال طيب للإخلاص والوفاء ، يا عم درويش!.. هتف في ضراعة: ـ لم تقل لي بعد ، متى أستطيع أخذ الطفلة؟ تناولت رشفة أخرى من فنجاني الذي كاد أن يبرد ، ثم قلت موضحا: ـ جرت العادة يا عم درويش أن يبقى الطفل اللقيط مدة في الملجأ حتى تكون هناك فرصة لمعرفة أبويه الشرعيين ، وقد تصل هذه المدة إلى بضعة أشهر ، ثم يصبح الباب مفتوحا لمن أراد أن يتول رعاية الطفل أو تربيته.. هتف العم درويش: ـ هل تعني أن الطفلة يمكن أن... ـ من يدري؟ قد يظهر أهلها في آخر لحظة.. علته كآبة وقلق ، ولاذ بالصمت ، ابتسمت ، وقلت له: ـ لماذا أنت واجم؟ لو كان أهلها حريصين عليها لما تخلوا عنها.. قال العم درويش بنبرة حائرة: ـ لا ادري لماذا تعلق قلبنا بهذه الطفلة بالذات!!.. ثم استدرك قائلا: ـ هل يتركون لنا حرية اختيار اسمها؟.. ـ أتفكر لها باسم؟ سرح العم درويش ببصره ، وقال كمن داعبه حلم لذيذ: ـ نعم سأسميها أمل ، فهي الأمل العذب الذي راودنا منذ زمن بعيد.. ثم راح العم درويش يردد الاسم وكأنه يختبر وقعه على الأسماع: ـ أمل.. أمل.. يا سلام ، إنه أسم لطيف أليس كذلك؟ أمل سأسميها أمل ، وسألحقها بنسبي.. قاطعته محذرا: ـ إلا هذه يا عم درويش!.. ـ لماذا؟ ـ حتى لا تخدع الطفلة مرة أخرى.. ـ أخدعها؟ كيف؟.. ـ يكفي أن الطفلة قد جاءت إلى الوجود ضحية خطيئة ، وليس من العدل أن تعيش فيه ضحية كذله ، أن تلحقها بنسبك يعني أنها ستنشأ وهي تظن أنك أبوها الحقيقي ، وسيتفتح وعيها على هذا الوهم ، وفي منتصف الطريق تكتشف الحقيقة ، وتعرف أنك لست أباها الشرعي ، وعندها ستعيش الطفلة مأساة حقيقية ، ستلاحقها الشكوك وتحاصرها التساؤلات ، وتخنقها الأوهام.. كن واضحا منذ البداية ، جرعها الحقيقة رشفة رشفة ، وكن واثقا من أن حنانك وحبك ورعايتك لها في الوشيجة الحقيقية التي ستجمع بينكما ، الأنساب وحدها يا عم درويش لا تصنع الحب ، الحب هو الذي يصنع الأنساب.. فكر مليا ثم همس: ـ صدقت.. وغرق العم درويش في خواطره فانتشلته منها قائلا: ـ ثمة حقيقة أخرى يا عم درويش يجب أن أصارحك بها.. ـ تفضل.. قلت في دعابة: ـ لقد بردت قهوتي قبل أنت أنهيها ، وأنا أحب أن أشرب قهوتك ساخنة ، كيف سنعالج هذه المشكلة؟ | ||
| | |
| | #7 | ||
| مشرف عضو ماسي ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() | الفصل الثاني عشر كفكفت السماء دموع الشتاء ، وأطلت على الأرض بعيونها الزرقاء ، كحسناء تحضن العالم بنظرتها الصافية الحنون ، وأزاحت الشمس بأشعتها الدافئة بقايا الغيوم ، وتدلت وسط القبة الزرقاء كالقنديل ، وراحت تضيء العالم بالأفراح.. وبدأ الربيع يزحف بهدوء وجلال ، فاستعدت الطبيعة لاستقباله بكل ما أوتيت من فتنة وبهاء وجمال.. وانضمت حديقة المستشفى إلى مهرجان الربيع ، فاكتست برداء أخضر ، وزينت صدرها بالزهور ، واغتسلت بأريج فواح ، يملأ النفس ببهجة فريدة ، ويزرعها بالأشواق.. وهبت نسائم الأصيل ناعمة رقيقة معطرة بعبق الطبية ، فأحسست في مداعبتها اللطيفة همسا خفيا يدعوني لزيارة الحديقة الغناء التي تربطني بها صداقة قديمة.. كان النهار يتسرب رويدا رويدا من جعبة الزمن ، فطفقت الشمس المتعبة تلملم أشعتها الذهبية استعداد للرحيل ، وتوهج الأفق بألوان الغروب الرائعة ، وران على الحديقة هدوء شامل ، وصمت عميق.. ألقيت نفسي في أحضان الحديقة الخضراء ، واسترخيت فوق بساطها العشبي الطري ، كطفل ينام على صدر أمه ، وأرسلت نظراتي إلى الأفق الوردي ، لأمتعها بلوحة الأصيل الساحرة التي رسمتها يد القدر في أحسن صورة وأروع تشكيل.. لم تدم خلوتي الحالمة طويلا ، ثمة همس رقيق اقتحم عليَّ عالمي ليزيده أنسا وبهجة.. ـ يا للروعة!.. ها هي الحديقة تستعيد جمالها القديم!.. التفت إلى أحلام في لهفة ، وحييتها بابتسامة ، ثم عدت بنظراتي إلى الشمس الغاربة وهي تغوص خلف الأفق ، وأقبلت أحلام تقول: ـ تبدو منسجما مع الطبيعة إلى أبعد حد لكأنكما صديقان!.. نهضت جالسا ، ثم قلت وأنا أجوب بنظراتي أرجاء الحديقة الغناء: ـ الطبيعة عالمي وملاذي.. ـ سألتني بلهجة لا تخلو من الدعابة: ـ قل تسمح لي بالاقتراب من عالمك الجميل؟.. ابتسمت لدعابتها اللطيفة ، وقلت: ـ الطبيعة للجميع.. جلست أحلام على كرسي قريب وقالت: ـ بم تفكر؟.. ـ أشياء كثيرة.. ـ الطفلة؟.. ـ ممكن.. ـ أمازلت تفكر بها؟ ـ آلمني أني لم أستطع أن أقدم لها شيئا.. ـ إنما الأعمال بالنيات.. ـ نعم نملك النوايا الطيبة ، لكنا لا نعرف كيف نترجمها إلى عمل. ـ عدت تؤنب نفسك! ـ لكم يعذبني العجز! ـ لطاقة الإنسان عتبة لا يملك أن يتجاوزها.. ـ لكنا نملك أن نحاول.. ـ حاولتَ بما فيه الكفاية.. ـ أنسلم الطفلة إلى الشقاء؟ ضحكت أحلام ، وقالت: ـ تتحدث عن الطفلة وكأنك الذي أنجبتها! لم أنبس ، زحفت إلى شجرة قريبة ، واستندت بظهري إلى جذعها النحيل.. قالت أحلام وهي ترنو إلى الأفق: ـ ليتني أحمل ريشتي وألواني.. نظرت إليها في دهشة: ـ أتحبين الرسم؟ افتر ثغرها عن ابتسامة عذبة ، وقالت: ـ أنا رسامة ماهرة ، ألا تعرف؟ ـ أجهل عنك الكثير؟ ـ وأنا أيضا.. ـ تجهلين نفسك! ـ بل أجهل عنك الكثير.. ـ عنيَّ أنا؟! ـ أجل ، من أنت؟ ـ يا له من سؤال! ـ أهو محرج؟ ـ أبدا.. ـ من أنت؟.. ـ شاب كسائر الشباب.. ضحكت وقالت كالمتوعدة: ـ لا تفسر الماء بالماء.. تذكرت ملاحظة هاني عن اهتمام أحلام بي ، وميليها إليَّ ، فأحببت أن أستغل الفرصة لأعطيها صورة صادقة عني ، لتعرف من أنا؟ وما حقيقة ظروفي؟ فلا تتمادى في الاقتراب من شاب قد لا يصلح لها أو يستطيع إسعادها ، وعادت تقول: ـ إذا كان سؤالي محرجا فلا تجب.. تنهدت وقلت: ـ إذا كنت مصرة فلا بأس.. سأقول لك من أنا.. أنا شاب عادي جدا.. شاب مثل كل الشباب.. له طموحاته وأحلامه ، وله همومه وآلامه.. قد أكون جديا أكثر مما يروق للبعض! وقد أكون متمسكا بالقيم العليا أكثر مما صار يطلبه مجتمعنا في شبابه.. أو كما يقول هاني: أنا (حنبلي) أكثر من اللازم.. لكني أعتقد أني طبيعي جدا ، ولست معقدا كما يتهمني هاني أيضا ، هذا أنا ببساطة.. أما إذا أردت بسؤالك أن تعرفي شيئا عن بيئتي وأسرتي فلك ذلك.. لقد ولدت وترعرت في أسرة بسيطة.. ربها إنسان مكافح كرس حياته من أجل أبناءه الستة ، وقضى عمره كالجندي المجهول.. يعمل بصمت ليوفر لأسرته العيش الرغيد ، ويملك قدرة عجيبة على كتم آلامه وأحزانه ، على شفتيه دائما ابتسامة وادعة لا تكاد تغيب ، ابتسامة صامدة في أوقات الحزن والفرح ، فعندما يكون حزينا يخفي حزنه وراء تلك الابتسامة وعندما يفرح يطلق العنان لابتسامته لتتسع وتشرق وتضيء.. يحب أن يمارس حزنه سرا.. ضبطته أكثر من مرة في حديقة المنزل وهو يبكي ، لكني لم أستطع أن أقترب منه لأسأله عن سر حزنه.. كنت أتوارى بسرعة حتى لا أشعره بأني قد كشفت ضعفه ، والدي لا يحب أن يبدو أمامنا ضعيفا ، يريد دائما أن يبدو أمامنا قويا صامدا حتى يشعرنا بالأمان.. إنه قدوة لنا في كل شيء ، ما نهانا عن منكر قط ثم أتى مثله ، حريص على سمعتنا.. حريص على سعادتنا.. يضحي بضرورياته من أجل رفاهيتنا ، ويوجهنا دائما بالابتسام.. صورة فريدة للتواضع وإنكار الذات ملأتنا دائما بالاحترام لهذا الأب المكافح الذي يذوب كالشمع لينير لنا الدروب.. هذا أبي.. أما أمي ، فهي سيدة طيبة فهمت الحياة عطاء وتضحية.. اتخذت من أبنائها الستة قضية نذرت لها العمر ، ورصدت لها أمومتها الفياضة بالحنان لتروي بها براعمها الصغيرة ، ثم راحت ترقبها وهي تنمو وتنضج وتستوي على عودها وسط أعاصير الحياة.. فهمت أمي الزواج على أنه شراكة ، فتقاسمت مع زوجها الأدوار ، أعتقد أن أمي لم تتزوج أبي بعد قصة قيس وليلى ، لكن قصة الحب التي نشأت بينهما بعد الزواج أجمل من قصة قيس وليلى ، وأروع من حب روميو لجولييت ، لأنه حب قائم على التضحية والإخلاص الإيثار.. حب قائم على التكامل بين رجل وامرأة ، والدي كان يكافح في الخارج ليلتقط الحَبّ , وأمي كانت تكافح داخل العش لتفرشه بالحُب.. بيتنا بسيط الأثاث ، لكن أمي استطاعت أن تصنع منه أثاثا أنيقا متجددا لا تبلى أناقته مع الأيام ، فإذا جربت أن تزوري هذا البيت شدتك رائحة النظافة الممزوجة برياحين الزهور ونباتات الزينة التي تربيها أمي كما تربي أولادها ، وإذا صادفت زيارتك لبيتنا وقت الغداء ، فتحت شهيتك رائحة الأصناف اللذيذة التي تنهمك أمي في صناعتها كما ينهمك الفنان في تشكيل لوحته ، أنا لست ضد عمل المرأة ضمن الشروط الاجتماعية المناسبة ، لكني أعتقد أن البيت الذي لا تخلع عليه المرأة اهتمامها ، بيت بلا روح.. بيت كالبيوت المهجورة التي تصفر فيها الريح ، وتعيث فيها الأشباح.. وانتبهت إلى أحلام فوجدتها ترنو إليَّ بنظرات حالمة أحرجتني ، واشتبكت نظراتنا للحظة ، فسحبت نظراتي برفق ، وأرسلتها إلى الأفق لأغسلها بألوان الشفق.. قالت أحلام وهي تمسد بأناملها خصلات شعرها الأشقر المنسدل على صدرها كالوسام: ـ لا أدري لماذا أتمنى لو كنت أختك؟ فاجأتني كلماتها بكل ما تفوح به من ود!. همست بنيرة تخنق بالانفعال: ـ أنت أختي فعلا يا أحلام ، هل تشكين في ذلك؟ أطرقت في حياء ، وتضجرت وجنتاها بحمرة فاتنة ، ثم قالت بنبرة كئيبة وهي ترنو بنظراتها إلى لوحة الغروب: ـ أما أنا فقد ولدت وفي فمي ملعقة من ذهب ـ كما يحلو لوالدي أن يعبر دائما ـ ونشأت نشأة مدللة مغرقة في الترف ، فلا أذكر أني طلبت شيئا أو تمنيته إلا حصلت عليه.. كان عندي من الألعاب أصناف لم يرها طف في بلادي.. ومن الملابس الأنيقة الجميلة ما يكفي أطفال مدرسة أبي من جديد.. وكان لي في قصر أبي جناح كامل خاص بي.. جناح واسع يتسع لعائلة من عشرة أشخاص ، وكان مؤنثا بأجمل وأحدث أنواع الأثاث المصمم للأطفال ، وقد استورده لي والدي خصيصا من إيطاليا.. وكان لي ثلاث خادمات.. واحدة تعنى بنظافتي ، وثانية تهتم بطعامي ، وثالثة ممرضة تشرف على صحتي ، وكانت لي مربية إنكليزية تدعى المس روز.. استوردتها لي أمي لتربيني على أسس التربية الحديثة ، لأنها ليست على قناعة بطرائق التربية العربية.. وهكذا نشأت مدللة مرفهة |