انحبست أنفاس متابعي قناة <الجزيرة> في تمام الثانية عشرة بتوقيت غرينيتش. انطلق العد العكسي على الشاشة الأم استعداداً لاستقبال المولود الجديد: <الجزيرة الدولية>. كرست <الجزيرة>، طوال عشر دقائق، كل المساحة الممكنة على الهواء كي تكون لحظة الصفر جامعة، كاحتفاء إضافي يضاف إلى رصيد احتفالات القناة بعيدها العاشر. هذه المرة <الجزيرة> تغطي <الجزيرة>، لا مجال إلا للاحتفال والمزيد من التشويق، والسعي الواضح لنقل ترقّب العاملين إلى المشاهد عبر الشاشة الصغيرة. أعلنت الأصفار على الشاشة انتهاء حقبة وبدء أخرى. هو رأس سنة إعلامية جديدة من دون شك، افتتحتها القناة بعرض سريع لأحداث سنوات عشر تشكل عمر <الجزيرة>: <انطلقت الجزيرة وتغير الإعلام العالمي إلى الأبد>.
كانت <نشوة النصر> مهيمنة خلال اللحظات الأولى للإقلاع السلس. لا جدوى من ادعاء التواضع عند الإعلان عن اختراق يذهب، في المبدأ، لصالح مشاهد عربي يأمل بفك هيمنة وسائل الإعلام الغربية على صورته.
بقي شعار <الجزيرة> هو نفسه على شاشة القناة الدولية. يستطيع الشعار الماركة المسجلة أن يدفع المشاهد الأجنبي إلى التأهب استعداداً <لرصد> قناة سمع عنها ولم يعرف بنفسه حقيقة رسالتها. هي، من جهة، القناة التي <تذيع بيانات بن لادن>. ومن جهة أخرى، هي القناة المشاكسة التي دخلت في <أكثر من خلاف مع أكثرمن دولة عربية>.
أثناء تقديم المذيعين سامي زيدان وشيولي غوش النشرة الإخبارية الأولى، حضرت اللغة الإنكليزية وطغت اللكنة البريطانية. انطلقت الشمولية في التغطية من ديكور مسلح بشاشة عملاقة استوعبت أكثر من مراسل متأهب في غزة، دارفور، طهران، زيمبابوي، مع صور سريعة لتقارير من البرازيل، الكونغو، الصومال، روسيا، أفغانستان والقدس. كأنه تأكيد على معالم الاختلاف عن الشاشات العالمية الأخرى. اختلاف أفرد حيزاً للقارة الإفريقية كي يشي بالتركيز على كل ما هو مهمل إعلامياً. غير أن الحاضر الأكبر في كل ذلك كان إرث <الجزيرة>، بكل التضحيات التي قدمتها والضغوطات التي خضعت لها. بان الصحّاف وهو ينتقد القناة: <الجزيرة تروج للأميركان قبل أن تتأكد>، ودونالد رامسفيلد وهو يهددها، فما تقدمه <شر وعدم دقة ولا يمكن تبريره>. سلت القناة الجديدة يديها، استباقياً، من تهمة الانحياز الجاهزة. تقدم <الجزيرة الدولية> نفسها على أنها وسيلة إعلامية غير مرضيّ عنها من كل الجهات. وهذا كفيل بالتعريف عن خطها الإعلامي.
لم يكن الجمع بين استيعاب ثقافة المشاهد الغربي وبين طموحات المواطن العربي سهلاً في النشرة الأولى. تتصدر فلسطين التقرير الأول في الأخبار. يجفل المشاهد العربي، الموعود بالتغيير في طريقة تناول قضاياه، من افتتاح التقرير بالحديث عن قتيل في الجانب الإسرائيلي بعد إطلاق صاروخ من قطاع غزة. لا يطول التوجس طويلاً، فالتقرير يوضح بعد ثوان أن القتيل من الجانب الإسرائيلي سقط مقابل 350 ضحية في غزة، ويوضح أنه الصاروخ الأول الذي ينطلق باتجاه إسرائيل منذ ستة أشهر. هي إضافات غابت عن كثير من الشاشات العالمية.
تلعب التقارير المتلاحقة على حبل التوازنات الرقيق، لا تصدم المشاهد الغربي مباشرة لكنها تحرص، أولاً وأخيراً، على أن توصل المعلومة التي توضح وجهة نظر الجانب العربي. لكن <القرص> في عرس انطلاقة القناة كان عدم مشاركة الأميركيين للمشاهدين العرب في متابعة القناة. فشركات مثل <كومكاست> و<تايم وارنر كايبل> الأميركية، وهي من أكبر الشركات المشغلة للكايبل في الولايات المتحدة، لم تقم بتوزيع <الجزيرة الدولية>، مما شكّل الثغرة الأكثر فداحة والتي من الممكن أن تجفف رصيد القناة سريعاً في حال لم يتم تداركها قريباً. لكن القناة أمّنت البديل الجزئي عبر إمكانية متابعتها على الإنترنت، ومن خلال بعض شركات الكايبل التي قالت القناة إنها تعاقدت معها.
أما ردود فعل وسائل الإعلام العالمية فتفاوتت بين مرحب بصراحة وبين متأن. ففي حين أفردت صحيفة <غارديان> البريطانية مساحة لمقال في عنوان <في مديح.. الجزيرة>، استباقاً لانطلاقة القناة، عرضت <واشنطن بوست> أسباب بهتان الانطلاقة في الولايات المتحدة، فيما كثر الكلام حول تعاطي <بي بي سي> بطريقة دفاعية مع القناة الجديدة، كونها خسرت أكثر من معلّق أو إعلامي لصالح الأخيرة. أما <سي بي إس> فنقلت وجهة نظر مدير مكتب <الجزيرة الدولية> في واشنطن، ويل ستيبنز. فيما اكتفت <فوكس نيوز>، العدو الإعلامي المفترض لخط <الجزيرة>، بعرض <حيادي> لجهوزية القناة الجديدة.
مهما يكن من ردود أفعال في الأوساط الإعلامية، فلن يمضي وقت طويل قبل أن تبان ردود أفعال المشاهدين اتجاه أولى المفاجآت التي وعدت بها <الجزيرة الدولية>، أي المقابلة مع نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية، شيمون بيريز، وتليها مقابلة أخرى مع رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير.