16-Jan-2008, 10:01 PM
|
#1 |
| المشرف العام
تاريخ التسجيل: Nov 2006 الدولة: الجزائر
المشاركات: 4,462
معدل تقييم المستوى: 6  | الجامعة العربية ككبش فداء | | الجامعة العربية ككبش فداء  طرحت الادارة الامريكية مشروعا لاصلاح النظام الرسمي العربي، وترسيخ الديمقراطية الغربية في الشرق الاوسط الكبير ، وتعهدت بعرضه علي قمة الدول الصناعية المقبلة في حزيران (يونيو). المملكة العربية السعودية ومصر رفضتا هذا المشروع لانهما ترفضان الاصلاح المفروض من الخارج، وهذا رفض منطقي ومفهوم، ولكن ما هو البديل الذي تقدمه حكومتا البلدين؟ البديل، وكما جاء علي لسان الرئيس حسني مبارك في حديثه للصحافيين المرافقين له اثناء زيارته الخاطفة للمملكة العربية السعودية، هو مشروع سعودي ـ مصري مشترك لاصلاح الجامعة العربية، حتي لكأن هذه الجامعة هي سبب مصائب العرب جميعا، واساس تخلفهم، واتساع دائرة القمع ومصادرة الحريات، واستفحال الفساد في الغالبية الساحقة من الدول العربية، جمهورية كانت ام ملكية!
الخلل لم يكن ابدا في الجامعة العربية، لانها مجرد مظلة لانظمة رسمية قائمة، وتعكس سياساتها. فعندما كانت هذه الانظمة وطنية شريفة تجيش الجيوش من اجل الدفاع عن شرف الامة، وتتصدي للمشروع الاستعماري، واداته الاسرائيلية، كانت الجامعة قوية ومحترمة، ولكن عندما استخدمت الانظمة ـ والنظامان المصري والسعودي علي وجه الخصوص ـ هذه الجامعة ومؤسسة القمة العربية، من اجل توفير الغطاء الشرعي للمشروع الامريكي في تدمير العراق، وادخال المنطقة تحت الهيمنة الامريكية ـ الاسرائيلية، واعتبار كل مقاومة في العراق او فلسطين ارهابا فمن الطبيعي ان تضعف الجامعة ويتراجع دورها ومكانتها.
الرد السعودي ـ المصري علي مشروع الاصلاحات الامريكي يجب ان يكون ذاتيا وينطلق من البيت الداخلي، اي البدء في تطبيق الاصلاح الداخلي والتجاوب مع العرائض والمطالب الشعبية في هذا الخصوص، من حيث تحول النظامين الملكيين في البلدين الي ملكيات دستورية (النظام المصري جمهوري بالاسم فقط)، يكون دور الاسرتين الحاكمتين فيهما شكليا، وتترك المؤسسات التشريعية والتنفيذية في البلاد لممثلي الشعب الذين يصلون الي الحكم عبر انتخابات نزيهة. وتكون السلطة القضائية المستقلة هي الحكم النهائي، والرقيب الحقيقي علي الفصل الواضح للسلطات.
أما الحديث عن الخصوصية العربية، والاستناد الي ضرورة حل قضايا المنطقة كتبرير لرفض المشروع الامريكي، مثلما جاء في البيان المشترك السعودي ـ المصري، فهو حديث ممجوج، ولم يعد يقنع احدا. فالخصوصية العربية لا تتناقض مع الديمقراطية واطلاق الحريات والقضاء المستقل والصحافة الحرة والبرلمان المنتخب.فاذا كانت الحكومتان المصرية والسعودية حريصتين فعلا علي الخصوصية العربية، فاننا نذكرهما بان اول مبادئ واسس وقيم هذه الخصوصية هي التصدي للمجازر الاسرائيلية في فلسطين المحتلة، ومساندة المقاومة الوطنية الشريفة في العراق، واشراك الشعب في سلطة اتخاذ القرار، ومحاكمة كل سارقي مال الشعب في صفقات السمسرة المشبوهة.فلماذا التمسك بالخصوصية العربية والاسلامية لرفض الاصلاح، ووضعها جانبا عندما تتعلق بالدفاع عن كرامة هذه الامة ونصرة قضايا المستضعفين فيها.. ولماذا لم تقل الحكومتان السعودية والمصرية للولايات المتحدة عندما طلبت مساعدتهما في الحرب ضد الارهاب وغزو العراق تحت اعذار كاذبة، ان هذه الحرب، وان هذا الغزو، يتعارضان مع هذه الخصوصية؟!النقطة الاخري التي نري لزاما علينا التوقف عندها، وجاءت في البيان المشترك نفسه، هو الايحاء بان الانظمة الحالية عنصر مهم لاستقرار المنطقة، وان الخلل الذي يهدد هذا الاستقرار هو ايجاد حلول عادلة ومنصفة لقضايا الامة العربية والاسلامية. ونحن هنا نختلف مع البيان في هذا الاطار جملة وتفصيلا، لان الحكومتين تريدان ان تقولا للولايات المتحدة ان الاصلاحات التي تطالبون بها ستهز استقرار المنطقة، وهو قول غير دقيق علي الاطلاق، فوجود انظمة عربية فاسدة وديكتاتورية، وتغييب الارادة الشعبية هو الذي ادي الي التدخل الامريكي الراهن، وتدمير بلد مثل العراق، واطلاق يد شارون قتلا وتدميرا للشعب الفلسطيني.
هذه الانظمة جثمت علي صدر الشعوب العربية لاكثر من ثلاثين عاما، ولم تحرر ارضا، ولم تمنع عدوانا، بل تحالفت وتواطأت مع مشاريع الاذلال الامريكية، ولو كانت انظمــــة وطنيــــة ومنتخـــبة لما وصلنا الي هذا الانهيار الشامل في كل الميادين، ولما تجرأت امريكا علي معاملة الحكام العرب وكأنهم تلاميذ في الروضة تلقنهم دروس الاصلاح والديمقراطية.نحن نتفق مع الانظمة العربية في رفض الاصلاحات المفروضة من الخارج، فقد شاهدنا كيف جاءت الديمقراطية الامريكية الي العراق علي ظهور دبابات الخراب والدمار، وعبر كرازايات جري تسمينهم في واشنطن ولندن، شاهدنا ونشاهد كيف اصبح النموذج الديمقراطي الامريكي في العراق الذي بشرنا به الرئيس بوش عنوانا للخراب والدمار ومقدمة للحروب الاهلية. ولكننا نختلف مع هذه الانظمة في محاولتها ضرب حركات الاصلاح الشعبية، من خلال اتهامها بالتماهي مع المشروع الامريكي، والايحاء بأنها مرتبطة به.حركات الاصلاح في السعودية بدأت قبل ثلاثين عاما، وعندما كانت الحكومة السعودية الحليف الاكبر لامريكا وتخوض كل حروبها ضد الشيوعية والقومية في افغانستان والاتحاد السوفييتي وافريقيا وامريكا اللاتينية. اما حركات الاصلاح الوطني في مصر ومحاربة الفساد والمحسوبية والتوريث فلم تتوقف منذ وصول الرئيس مبارك الي الحكم.الاصلاح السياسي لا يتعارض مع مواجهة جميع المشاريع الامريكية الاستعمارية، وليس فقط مشروع الشرق الاوسط الكبير . بل ان هذا الاصلاح ضروري لتعزيز هذه المواجهة واكسابها مصداقية.
نقول للانظمة العربية ارفضوا الديمقراطية الامريكية التي تريد تعزيز الاحتلال الاسرائيلي، وتكريس اسرائيل قوة عظمي في المنطقة، ولكن عليكم في الوقت نفسه القبول بمطالب الاصلاح الشعبية وهي مطالب شرعية وفي اسرع وقت ممكن.اما رفض المشاريع الامريكية لتبرير رفض المطالب الاصلاحية الشعبية فهو وصفة للثورة والاضطراب الداخلي، وهي ثورة آتية لا محالة، بعد ان اصبحت الانظمة الحالية ميؤوسا من اصلاحها.وفي حال اصطدمت الانظمة مع امريكا فان موقف الشعب يجب ان يكون الحياد، لان الجانبين يتآمران ضده، ولا يريدان مصلحته، وفي هذه الحالة يصدق المثل الشعبي الذي يقول فخار يكسر بعضه .
عبد الباري عطوان |
| |