سنضيء الشموع، ونجزل الدموع، ونلقي الكلمات، ونضع أكاليل الزهور ونلتقط الصور ونبثها مباشرة أو في مقدمة نشرات الأخبار المرئية والمسموعة المحلية والوطنية والعربية العالمية، لكن أسامة، احمد، وإسلام بهاء بعلوشة، لن يعودوا أبدا إلى أحضان والدتهم ولا إلى مقاعد المدرسة تماما كمرافقهم محمود الهبيل الذي لن يعود إلى دنيا بلد خطف المجرمون فيه آماله وحياته إلى الأبد، أما جراح أيمن الغول فإنها ستبقى الشهيد الحي على أفظع جريمة في تاريخ المجتمع الفلسطيني المعاصر. . فقبل حوالي السنة من الآن طرحنا أمام جمع من المثقفين والإعلاميين والسياسيين أن يكون ” تاريخ الجريمة” 11 ديسمبر كانون الأول من كل عام “يوما للسلم الأهلي “، فقد استهدف فاعلوها رمز الحياة، والمستقبل والبراءة، و طهارة الإنسان ومعناه.
لم يكن الأطفال الثلاثة وسائقهم ضحايا الاحتلال وآلته العسكرية إلاسرائيلية، كما كان أبناء آل العثامنة في بيت حانون بقطاع غزة، بل كانوا ضحايا غزو التعميمات الجاهلية الظلامية التكفيرية الناسفة المدمرة لكل ما عرفته الإنسانية من معان لقدسية هذا المخلوق ” ابن آدم ” وما أبدعه الفكر والحكمة والفلسفة وما ارتقت به العلوم الإنسانية، فتفكيك دائرة الموت والإرهاب، والتحرر من حتميتها كما يحاول أن يحصارنا بمفاهيمها وخطابها ” المجرمون الهابطون دون مستوى الوحش “ لهي أولى علامات نضوج الوعي الوطني الفلسطيني، والذي من شأنه إذا ما استنهض بالمعاني الوطنية وروحها التحررية الديمقراطية التقدمية، لذا فلن يكون مفيدا مجرد البكاء على جدار محفورة عليه آثار الجريمة. . بل لعلها محفورة في ذاكرة الملايين. . .
نحن نتحدث عن ذاكرة إنسانية محصنة من اختراق فيروسات بشرية تستهدف بطاقاتها التدميرية المروعة القيم الأخلاقية للإنسان، لا عن ذاكرة في شرائح الكترونية ولا عن فيروسات صبيانية، فهذه قد تحدث أضرارا أو عطلاً في جهاز أو برنامج فيتم إصلاحه أو استبداله بقرار ومال !! لكن من قال الإنسان يباع ويشترى، ” فالإنسان” المخلوق من أديم هذه الأرض لا يستبدل بقرار حتى لو توفر المال، لكنه بالعقل والإدراك والأحاسيس والحكمة، والمعرفة والعلم، لقادر على تأسيس ثقافة المحبة والحق والجمال والحرية والعدالة والسلام !!
المجتمعات التي لا تعي معنى تسييد منطق وأحكام العدالة والقانون هي مجتمعات قاصرة، وفاشلة حتما في رسم ملامح المستقبل، لأنها لا تملك القدرة على ضبط مسار حاضرها أصلا !! فعندما يصمت المجتمع، ويحجب عينيه، ويصم أذنيه، ويسعى كل فرد نحو سلامة مصالحه الشخصية فقط، فانه يلغي مقومات المجتمع، والإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا، وكأن كل فرد منا يقضي من على “منصة الأنانية ” حكم الإعدام الظالم على نفسه وعلى كينونته الإنسانية دون أن يدري، ولعل كثيرا منا يعي ما يفعل، فعقلية الانتحار ونحر الآخرين في ذات اللحظة قد تغلغلت حتى النخاع في عظام الكثير منا !!
لو كنت نائبا عاما فلن أطلب من المحكمة تطبيق حكم الإعدام على المجرمين الفاعلين أو الدافعين أو المحرضين، بل سأطلب من عدالة محكمة فلسطينية أن تجعل من هذه القضية أطول محكمة في التاريخ تبدأ ولا تنتهي، حتى يعرف الناس كيف نما فيروس الجريمة، وأساليبه في التسلل إلى خلايا العقل ‘ والتفاعلات المفسخة لدماغ الإنسان، وأمواج التعاميم والانفجارات الفعلية المدمرة لإنسانيته وثقافته، حتى يبقى عاجزا عن أداء رسالته في هذا الكون.
إن لم نحول تاريخ الجريمة إلى تاريخ انطلاق نحو استعادة شرف إنسانيتنا المغتصب، فهذا يعني أننا استمرأنا البكاء، والنحيب.